السبت، 9 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة الحادية عشر / مايكل أنجلو ١٤٧٥ ـ ١٥٦٤ م .

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان

قراءة / راضي جودة








مايكل أنجلو ١٤٧٥ ـ ١٥٦٤ م .
عندما تتذكر مصطفى حسين بين الرسامين تشعر بانك أمام عملاق أو مصارع ، وجسد فارق بين الموجودين ، وفي حياتي رأيت عمالقة مميزين باجسادهم وأعمالهم أيضا ، ولذلك كان المشهد من خلال زحام الرسامين عبر طريق الشهرة نرى عملاقا قويا أشعث هو مايكل أنجلو .
ولد مايكل أنجلو يوم احد في كابرس بين جبال كاسنتينو ، وكان والده لودوفيكو بوناروتي عمدة كابرس وينحدر من أسرة شريفة تميزت بخدمتها لمدينة فلورنسا، واصر والده ان يسمي ابنه باسم رئيس الملائكة .
عند انتهاء العمل الوظيفي عاد لودوفيكو مع زوجته وطفله إلى فلورنسا في أملاك له بقرية سيتيجنانو خارج المدينة حيث استقر هناك ، وقد ارسل الصغير إلى زوجة أحد العمال لتعتني بتربيته ، وكان حبه للنحت وللأحجار نابع من التأثير غير المتعمد من مربيته زوجة النحات ، وبينما هو يكبر لم ينشغل سوى بقلمه الرصاص وكان يبدو أميا و حاول معه والده ان يتعلم تجارة الحرير والصوف ويتعلم كيف يجني الأموال ولكنه لم ينجح ، وكان يبدو عبثيا غير انه كان يغبط صديقه فرانسيسكو الذي يعمل بمتجر الاستاذ غراندايو ، وكانت فرحته عظيمة بقصص المرسم ورؤية بعض الرسومات الي يعرضها عليه فرانسيسكو .
وشيئا فشيئا أدرك لودوفيكو أنه لا فائدة من محاولاته مع ابنه .. وحين بلغ مايكل أنجلو الرابعة عشرة من عمره أرسل إلى مرسم غرلاندايو كتلميذ ليتعلم على يديه .
في نفس التوقيت الذي يقوم غرلاندايو برسوم الفريسكو لكنيسة سانتا ماريا نوفيلا ولقد تعلم مايكل انجلو الكثير من الدروس وهو يراقب استاذه حتى انه يساعده في الأعمال الأقل أهمية ، ولم يكن من اللائق أو السار لاستاذه الفلورنسي الكبير الذي أعجب الناس بأعماله أن يصحح له غلام صغير، وربما لم يكن مايكل أنجلو متواضعا معه كما يجب وكان يطلق بعض الكلمات الحادة ناسيا إحترامه لاستاذه .
وهكذا ترك مايكل أنجلو مرسم غرلاندايو وهو في السادسة عشرة ولم يكن له أستاذ آخر ، ومنذ ذلك الحين اعتمد على أفكاره الخاصة ولم يصبح تلميذا لأحد .
لم يعمل مايكل انجلو بالأزميل من قبل ولكنه نحت الرخام ببراعة مقلدا رأس للإله فون إله الحقول عند الرومان وكانت نسخة أدهشت لورينزو وقال له مازحا ان القدماء لم يهتموا باسنانهم بهذا الشكل الجميل ، فامسك مايكل بالازميل وراح يكسر بعض الأسنان .
لم يحظ مايكل أنجلو يالثروة فحسب لكن ادهشة أن والده وجد أيضا من الفوائد والمزايا قد انهمرت عليه لأجل ابنه الصغير الشهير ، كما تعلم الكثير من احتشاد الرجال اصحاب الخبرة الذين احتشدوا في بلاط لورينزو ، واستمع أولا للخطبة العظيمة الي القاها سافولا رولا في ديومو والتي لمست شغاف قلبه والتي تركت صداها كالرعد على سقف كنيسة سستين .
وكسار الفنانين ذهب ليدرس فنون الفريسكو عند ماساتشو في كنيسة كارمن وكانت هناك فرقة موسيقية شابة كانوا ينظرون له بحسد وزادت غيرتهم مع زيادة شهرته و لكمه شاب منهم يدعى توريجيانو في انفه وسبب له عاهة ، وكان مايكل انجلو طلة خشنة وقد منحه الأنف الملتوي تعبيرا قاسيا لن يغادره أبدا .
بعد موت لورينزو لم يستطيع التأقلم للحياة في بلاط بييرو، وحين بدأ القتال ترك فلورنسا وذهب إلى فينيسيا ثم إلى بولوجونا وعرف من هناك بخروج بييرو وان المبشر سافونا رولا صمت للأبد ، ثم ملأ الشوق قلبه إلى مدينته المحبوبة فلورنسا .
حان العمل في كاتدرائية سان ماري لعمل زهور على قالب ضخم من الرخام ولم يستطيع احد الفنانين المتواجدين للتقدم للنحت إلا مايكل أنجلو الذي ساقه عقله لنحت تمثال الصغير ديفيد .
ودارت النقاشات حول العمل المدهش ، وقال احد النقاد : يبدو لي أن الأنف أكبر من أن يناسب الوجه .. ألا تستطيع تغيره ؟!
لم ينطق مايكل أنجلو بكلمة ولكنه تسلق السقالة وتظاهر بنحت الأنف وترك بعض قطع الرخام الصغيرة وبعض التراب يتساقط على رأس الناقد في الأسفل ثم هبط قائلا بشجاعة : هل ذلك أفضل ؟
فأجابه الفنان الناقد : بديع .. لقد منحتها الحياة .
ابتسم مايكل أنجلو لنفسه ، كم يعتقد الحكماء من الناس في انفسهم .. حين لا يعلمون شيئا عما كانوا يتحدثون عنه.
كثيرة هي الأعمال التي لم ينتهي منها مايكل انجلو إما لموت عملاؤه أو يغير العميل رأيه بعد أن جعله يبدأ العمل ، ولم تتم المقبرة الكبيرة التي أمره البابا يوليوس بالعمل فيها ، وقد غير رأيه وطلب منه رسم سقف كنيسة سستين ، ولم تكن المهمة التي تعهد بها سهلة ، إن مجرد النظر إلى السقف لمدة عشر دقائق يؤلم الرأس والرقبة .. ونتعجب عن كيفية الانتهاء منر قطعة واحدة منها في الوقت الذي لم يتقبل الاستاذ أي مساعدة ولم يكن له تلاميذ ؛ وقد عمل بمفرده ، ولم يتحمل أن يراه أحد وهو يعمل ولم يجرؤ إلا البابا يوليوس أن يزعج الاستاذ ووحده تسلق السقالة وشاهد العمل .
وكان البابا متعجلا لانهاء العمل في الوقت الذي لم تنتهي الرسومات تماما خاصة على الجدار الأخير .
عاش مايكل أنجلو حتى أصبح مسنا وكانت حياته منعزلة حتى وفاته ، والمرأة الوحيدة التي أحبها فيتوريا كولونا ماتت وبموتها خفتت كل بهجته ومات في روما وحمل جثمانه إلى فلورنسا ودفن في كنيسة سانتا كروز .

الجمعة، 8 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة العاشرة / رافائيل ١٤٨٣ ـ ١٥٥٦ م .

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان


قراءة / راضي جودة







رافائيل ١٤٨٣ ـ ١٥٥٦ م .
ولد رافائيل في قرية أوربينو الصغيرة في أمبريا ووالده الرسام جيوفاني سانتي ووالدته السيدة الجميلة ماجيا التي توفت وهو في سن الثامنة ، تزوج بعدها والده الذي توفى هو أيضا بعد ثلاث سنوات من وفاة ماجيا ، واصبح المرسم مسرحا للمشاحنات بين العم وزوجة الأب من الصباح حتى المساء ، ولم يعيروا الصبي اي اهتمام وكان ما يعنيهما هو النقود في الوقت الذي اهمل تدريب رافائيل تماما .
جاءت المساعدة من الخال سيمون دي سيارلا الذي أتى للعناية بابن شقيقته وفي الحال أخذ الطفل إلى بيروجيا ، واخبره بانه سوف يتلقى تعليمه في مرسم الفنان الأشهر ، فسأل رافائيل وعيناه تشعان بالفرح : هل سأصبح تلميذا لبيروجينو العظيم ؟!!
ـ سنرى إن كان يستطيع قبولك .
مرت بيروجيا بأوقات عصيبة قبل هذا الآوان لصراع بين الاسرتين الأكبر أودي وباجليوني لتحديد ايهم الأقوى والأحق بالبقاء والحكم وتطرد الأخرى ، وأصبح الريف الآمن مقفراَ وخرباَ .
جاءت لحظات من الأمن والسلام سنحت لرجال مثل بيروجينو لكي ينجزوا اعمالهم . الذي يبدأ من الصباح إلى الليل ولقد احب بيروجينو رافائيل وكان دائما يقول وهو يرقبه يعمل :
إنه تلميذي الآن ولكنه سرعان ما سيصبح إستاذي .
ولم يبخل الاستاذ بإسداء النصح لتلميذه الذي علمه بكل عناية ممكنة :
« تعلم من الجميع كيف ترسم ، أرسم كل ما تراه ، لا يهم ما هو ، لكن أرسم وأرسم ، البقية ستأتي فإذا ما غابت المعرفة فلن ينجح شيء ، أحتفظ دوما بكتاب الرسم في يديك وارسم بعناية كل ما تقابله عيناك » .
استمع لنصائحه وتتبع خطواته حتى بدت لوحاته قريبة الشبه من لوحات استاذه ، ولكن الأيام الهادئة في بيروجيا أوشكت على الإنتهاء ؛ فعاد بيروجينو إلى فلورنسا.. وعمل رافائيل لبعض الوقت في أماكن مختلفة بالقرب من بيروجيا ثم تبع استاذه لمدينة الزهور ، وعلى الرغم من انه مازال شابا فلقد بدأ العالم بالفعل يلحظ أعماله . وكانت شهرة ليوناردو في أوجهها وعندما عرضت اعماله على رافائيل عقدت لسانه دهشة واعجابا، وغاصت روحه تبحث في اسرار ابداعات ليوناردو وقلل ذلك من تشابه اعماله وتقاربها مع أعمال استاذه .
وسوف ترى رسوماته في روما من الفريسكو متنوعة ورائعة رسم عذراء الحسون الأصفر والعذراء مرجريتا ، هاتان فحسب كانتا من الصور التي رسمها رافائيل ، ومن الجيد أن تفكر كم عدد اللوحات التي عمل عليها وتركها تراثا الفنان رافائيل خلال حياته القصيرة حيث إنه مات وهو بعد في السابعة والثلاثين من عمره .!!!
انتابته قشعريرة عنيفة قضت عليه واجتمعت روما كلها في جنازته وحزن لفقده كل الناس ولكنه ترك شهرة لا تموت وراءه أبدا واسما لم يفقد عظمته أبدا عبر كل السنين .

الخميس، 7 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة التاسعة / ليوناردو دافنشي ١٤٥٢ ـ ١٥١٩م .

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان
قراءة / راضي جودة










ليوناردو دافنشي ١٤٥٢ ـ ١٥١٩م .
المدينة الصغيرة فنشي تبدو من بعيد كعش طائر متعلق بالصخور على منحدرات مونت ألبانو بين فلورنسا وبيزا ، هنا وفي العصر الذي كان الناس يتنبأون بالنجوم ولد في عام ١٤٥٢م ليوناردو ابن السيد بييرو دافنشي ، طفلا غريبا في كل شيء حتى في جماله كان له شعر يرفرف ويسقط متموجا كماء في نافورة من الحرير بلون الذهب وعيناه زرقاوان كالزرقة التي تعلو جبال الجليد ، كان مرحا ضحوكا محببا للجميع لكن الجدة مونا لينا التي ربته دللته كثيرا .
كان والده محاميا وحاول ان يعلمه بعض الدروس واكتشاف ما يناسب الصبي ، لكن ليوناردو كره هذه الدروس ولم يستسيغها حتى بعد إرساله للمدرسة ، شق عليه تعلم اللاتينية ، وشق عليه مسايرة اقرانه بالعابهم الخشنة والسمجة .
اختار لنفسه مكان بين الطبيعة يرى من خلاله كيف تتحرك الأغنام بين العشب وكيف تنسج العناكب خيوطها ومشاهد الفراشات والنحل الطنان والسحالي والطيور ، وراح يسأل عن سر القوة في أجنحة الطيور ، هذا هو السر الخفي الذي من أجله أراد ان  يتعلم كل شيء في الطبيعة وارتباط بتلات الزهرة عندما ينزع منها واحدة ، كل هذا كان يوازيه غياب عن المدرسة واتساخ وتمزيق لملابسه وإن كان دلال جدته له لن يعفيه من عقوبة وجلد والده له الذي قرر ان يغلق عليه احد الغرف ليشعر بالسجن التأديبي لكنها كانت فرصته ليخلو لنفسه ولأسئلته التي يبحث عن إجابات لها ، ووجد ضالته في تعلم الحساب وحل العديد من المسائل التي ادهشت الاساتذة ، لقد بدا عقله تواقا لطلب النور ولم يكتف ولم يشبع . 
بدأ حب الموسيقى يستولي على قلبه ، ولم يهدأ حتى نجح في الحصول على آلة العود وتعلم كيفية العزف عليها وتعلم النوتة والقواعد الموسيقية والغناء ، وأصبح لغزا محيرا للجميع فبينما يمسك ثعبانا أو عنكبوتا ويبدوا همجيا تراه رقيقا ملائكيا يغني .
وعندما بلغ الثالثة عشر أخذه والده لفلورنسا ليتدرب على عمل ما وكان الصبي يتقن أشياء عدة ومن الصعب أن يثبت على واحدة منها ، ولعل أغرب ما يمكن ان تعرفه عن ليوناردو أنه ذهب بنفسه ليطرق باب العالم الفلكي توسكانيللي حيث يسأله عما يريد فيجيب بكل ثقة : سأتعلم كل ما تستطيع أن تعلمني إياه .
كان بيير والد ليوناردو غير سعيد بكل هذا فهو يبحث للابن عن علم أو مهنة تدر عليه دخل ، ولذلك قرر ان يجمع رسومات ليوناردو المبعثرة والمشتتة هنا وهناك وذهب بها إلى الرسام فيروتشيو الذي تفحص الرسومات بعينين سريعتين وإهتمام عميق وقال : أرسله إلىّ في الحال .. فإن لديه موهبة رائعة .
دخل ليوناردو المرسم وتعلم أشياء كثيرة، لكن فيروتشيو لم يعجبه الحالة التي يتنقل بينها الولد لم يكن كسولا ولكن يتنقل بين الرسم لعمل حيوانات من الطين والتفكير في سر الطيران ، وعندما اصر استاذة على ان يقدم عملا ويستكمل صورة امسك الفرشاة بيسراه وعمل على إنجازها بدقة وكانها كانت موجودة وهو يزيل عنها الغبار فقط .
وعندما خرج للطريق ووجد متجرا يعلق اقفاص الطيور وسأله ليوناردوا إذا كان يبيع تلك الطيور فقال : إنها قد تموت قبل ان يتمكن من بيعها فاشتراها منه جميعها واطلقها في الفضاء ، وهو يأمل ان تجود عليه يوما تلك الكائنات وتبوح له بسر الأجنحة ، والرجل ينظر إليه ليتفحص أي نوع من الجنون هذا .
وقصص ليوناردوا الجميلة حول تجاربة في الرسم على التروس والستائر الحريرية المذهبة وصناعة آلات الموسيقى ، وجاءته الفرصة للخروج من بلاط لورينزو لشعوره بضيق المكان ، ولانه ليس محبوبا عنده مثل فيليبينو ليبي وبوتشيللي .. عندما طلب منه لورينزو الذهاب إلى ميلان حاملا آلة العود التي صنعها ليوناردو لتكون هدية للودفتشو سفورزا دوق ميلان ، فانطلق ليوناردو وهو يشعر بالتحرر من الحياة الضيقة في المرسم الفلورنسي .
وقبل الإنطلاق إلى ميلان كتب خطابا للدوق يشرح فيه الأشياء التي يمكنه عملها (CV) في زمن السلم والحرب ،ويبدو أنه لا يوجد شيء لا يستطيع فعله ، علما بانه قد كتب الخطاب بطريقة عجيبة وهي من اليمين لليسار مثل الكتابة العربية وباليد اليسرى ولا تستطيع القراءة إلا عن طريق مرآة .
اندهش الدوق عندما وصله الخطاب قائلا : إما أن هذه الكلمات لعبقري أو مجنون !
افتتن كل من بالقصر بصاحب الوجه الجميل والعزف المنفرد والغناء العاطفي الساحر ، وادرك الدوق أنه أمام شخص نادر وخصص له منزلا وراتبا يتسلمه سنويا ، ولم يعبأ ليوناردو كثيرا ان يكون لديه اشياء ثمينة أو مجوهرات وإنما ترتيب المكان ونظافته ومعطفه الأحمر الداكن تمشيا مع السائد لأهل فلورنسا كما كان لديه في الحظيرة بعض الجياد التي أحبها أكثر من أي كائنات آدمية .
اسند إليه الدوق العديد من الأعمال لاسيما عملين عظيمين هما العشاء الأخير على جدران قاعة الدرس في سانتا ماريا ديل جريز ، والآخر هو صنع نموذج لتمثال فارس يمتطي جوادا من البرونز وفي الخلفية صورة الدوق .
ظل ليوناردو يعمل بجد في لوحة العشاء الأخير من الفريسكو واحيانا ما ينصرف عن العمل لاسابيع أو شهور دون أن يلمسه ! ولكنه يعود ليعمل من جديد لأيام متواصلة ، وكذلك العمل في تمثال البرونز لأن عقله يعمل في المفتاح السري في علم وفن الطيران الذي ملك عليه روحه واحلامه وقدره .
ما ان اكتمل العمل في لوحة العشاء الأخير وقرب اكتمال التمثال اضطر الدوق للهرب قبل ان دهمه الجنود الفرنسيون الذين اقتحموا المدينة وتمركزوا فيها قبل ان يمنعهم أحد ، وبدأوا يطلقون مدافعهم على التمثال العظيم كهدف لمرمى اسلحتهم ، ووفي ساعات قليلة تم تدمير تمثال استمر العمل فيه لستة عشر عاما .
والأكثر ايلاما أن اعمال الفريسكو والصورة الأعظم اتلفتها الرطوبة بقتامة الالوان ، حتى ان الرهبان المهملين اخترقوا الجدار وصنعوا مدخلا في منتصف الصورة تماما، واستكمل العبث جنود نابليون باستخدام القاعة كإسطبل لخيولهم وتسلوا بالقاء الحجارة على ما تبقى من رسوم الحائط.
ولجأ ليوناردو في تلك الأوقات لزيارة صديقة جيرولامو ملزي وكان لصديقه والد اسمه فرانسيسكو يتيم الأم وكان معجب باعمال ليوناردو ومتعلق به جدا ، وفي يوم الوداع تعلق الولد برقبة الأستاذ وقال له : خذني معك ، لكن لوناردو قال الوقت غير مناسب وانت مازلت صغيرا، وبدأت حياة تسكع متعبة ، وقد عاش فترة في روما ولكنه انجز القليل ، وعاش بعدها لسنوات عدة في فلورنسا وبدأ يرسم صورة معركة ضخمة .. وهناك رسم لوحته الشهيرة الموناليزا، والتي يقول عنها النقاد أنها أروع وأكمل صورة على الإطلاق على الرغم من أن ليوناردو نفسه قال بأنها ليست كاملة ولم تنته بعد .
لقد ذهب كل تلاميذه ونسيه كل أصدقائه ، وذات ليلة عاصفة كان جالسا أمام المدفأة حزينا وحيدا عندما فتح الباب غلام طويل ووسيم انحنى راكعا وقبل يدى الرجل المسن وقال :
ـ ألا تعرفني .. إنني فرانسيسكو الصغير ، جئت لتفي بوعدك أن أكون يوما خادمك وتلميذك .
تأسف ليوناردوا لحاله وقال انه لن يستطيع ان يفي بوعده فقد اصبح فقير يتجول هنا وهناك ، ولكن الفتى اصر على ان يبق معه ويشاركه احواله وييكون بصحبته إلى آخر الدنيا .
لذا فحين تلقى دعوة من ملك فرنسا الجديد أخذ الصبي معه وبنيا معا منزلهما في القلعة الصغيرة كلاكس قرب مدينة امبويز ، أضحى شعر الاستاذ فضيا ولحيته بيضاء كالثلج لقد خط الهم تجاعيد عميقة على وجهه الجميل وصاحبته الأفكار الكئيبة وبدا ان كلمة (فاشل) قد كتبت عبر حياته ، لقد انتهى تمثاله العجيب وتبقى من صوره القليل الذي لم يصل أبدا إلى مثله الأعلى حتى ميكل انجلو نفسه قال له ذات مرة بإحتقار إنه فاشل .
كان ليوناردو سعيدا أن غادر إيطاليا تاركا ذكرياتها خلفة على أمل يبدأ من جديد في منزله الهادىء الفرنسي ، ولكن الموت دنا منه وقبل ان تمضي سنوات قليلة أضحى أضعف من أن يمسك بفرشاة أو قلم رصاص ، وفي فصل الربيع حمله فرانسيسكو بيده القويتين ليلقي نظرة أخيرة عبر النافذة على العالم الذي أحبه بإعزاز وصاح بآخر كلماته :
أنظر ..؛ لقد عادت طيور السنونو ، إنها ستعيرني أجنحتها لعلي أطير بها بعيداً وأستريح ! 

الأربعاء، 6 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة الثامنة / بياترو بيروجينو ١٤٤٦ ـ ١٥٢٤م .

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان
قراءة / راضي جودة




بياترو بيروجينو ١٤٤٦ ـ ١٥٢٤م .
منذ اللحظة التي انطلق فيها بصحبة والده من بيتهما في كاستيللو ديل بييفو بقدميين حافيتين متربتين متجهين إلى بيروجيا المدينة القصية وقد حاول ألا يبدو متعبا خاصة وان والده يحثه بالقول : هل أنت متعب بالفعل يا بياترو ؟ نحن لم نبلغ منتصف الطريق ! ويجب ان تخطو بشجاعة وتكون رجلا ، فمن اليوم سوف تبدأ حياتك العملية ولم تعد طفلا كسولا لا عمل له .
اراد ان يبدو رجلا فقال لوالده : لست انا المتعب إنها ساقاي لا يمكنها ان تخطوا مثل خطواتك الطويلة !! .
وصلوا في النهاية إلى البوابة المنيعة اتروسكان التي بنيت أول مرة منذ مئات السنين ومازات قادرة على صد جيشا من الأعداء إذا ما احتاجت بيروجيا أن تدافع عن نفسها ، واستطاعوا المرور وسط تدافع الناس والوصول لوسط المدينة ومنطقة السوق أمام الكتدرائية بالميدان العام .
هنا توقف الرجل وسأل أحد العابرين عن متجر نيكول الرسام ، فأجابة المواطن واشار إلى متجر متواضع في ركن السوق وسأله : أترى أحضرت الطفل ليكون موديلا للرسام ؟
فرفع بياترو رأسه متفاخرا وأجاب بسرعة : أنا لم أعد طفلا ولقد جئت لأعمل لا لأمكث بلا عمل !!
وكذلك عندما سأله الرسام الطاعن بالسن : ما الذي تستطيع فعله ؟
فأجابه الولد في التو: كل شيء ، أستطيع أن أكنس المتجر وأطهو العشاء ، وسأتعلم كيف أطحن الألوان وأغسل فرش الرسم وأؤدي أعمال رجل ! ضحك الرسام وقال : أثق في هذا وإنك سران ما ستصبح أعظم رجل في بيروجيا ، وتجلب الشهرة لهذه المدينة الجميلة سندعوك بـ بياترو فانوتشي ، ولكنك ستأخذ اسم المدينة وسنسميك بيروجينو .
كان الاستاذ يمزح عندما قال إنه سيصبح رساما عظيما ، ولكن بمضي الوقت ومراقبته له وجده يتقن عمله وينجزه في سرعة ، واوصاه الاستاذ بوصية رائعة .. يجب ان يهتم بها كل الفنانين ، كان الاستاذ يقول : « ليس ثمة شيء أجمل من فن الرسم إنه السلم الذي يقود إلى السماء، والنافذة التي ينسل منها الضوء إلى الروح ، يحتاج الرسام ألا يكون فقيراَ ولا وحيداَ؛ إنه يخلق الوجوه التي يحبها بينما يبقى الضوء والألوان والجمال ملء يديه، فإذا ما أردت أن تصبح رساماَ يا بيروجينو الصغير فإنني لك ثروة أعظم من هذه ».
اختار بياترو جزع شجرة مجوف ليس بداخله دون أن يراه الآخر ، ومن خلال مكانه يتأمل كل ما حوله من جمال وطبيعة ووجوه وعابرين ، ورغم مجهوده في العمل الذي بالكاد يكفيه قوت يومه كان يصغى بشغف لكل زائر للمتجر ليتعلم شيئا في عالم الرسم ، واحيانا ما كان يغامر ويسأل الزائر إذا كان مسافر أو أتى من مكان بعيد ، وحين أتى رسام من فلورنسا سأله بياترو : أين توجد أجمل صورة ؟ وأين يوجد أعظم رسام ؟
فلما وصف له الصور التي تغطي جدران الكنائس في فلورنسا وكذلك الزهور والألوان ، قال في نفسه أنا أيضا سأذهب إلى فلورنسا ولا داعي من الإنتظار حتى يتوفر المال الكافي ، واندفع في النهاية يسلك الطريق الأبيض الطويل الذي بدا له إنه لا نهاية له وواصل سفره يوما إثر يوم ، حيث رأى من بعير مدينة أحلامه تلوح له من تلال التلال والزهور تطوقها الأبراج والقلاع ، مسكين بياترو ها هو العالم الذي تاق أن يظفر به ، ولكنه مزال طفلا ريفيا فقيرا فأنى له أن يتسلق السلم الذهبي للفن ، والذي قاد الكثير من الرجال للشهرة والمجد.
بدأ العمل المجهد وهذا هو المهم حتى ابتسم له الحظ بملاحظة الفنانين الفلورنسيين لعمله الجاد والمتميز .. رغم أخطائه ، وتعرف وشاهد اعمال المشاهير واقترب منهم والتقي بوتشيللي الصغير والشاب الذي يماثله بالعمر والذي كان يدعى ليوناردو دافنشي والذي كان يهمس الجميع بأنه سيصبح ذات يوم أعظم فناني عصره .
وكان أمام بياترو الكثير ليتعلمه وكانت دروس ماساتشو الأكثر روعة من خلال رسوم الفريسكو ، وجاءت ساعة التتويج حين تسلم بيروجينو دعوة من البابا للذهاب إلى روما ليرسم كنيسة سيستين .
اختلفت حياة الرسام الشاب ، فلم يعد يسأل أين وكيف سيتناول وجبة طعامه الآتية ، أصبح ضيف ملكي ويتشرف الرجال بصحبته ورغم حبه لفلورنسا إلا أن قلبه كان معلقا بالمدينة التي تتوسط التلال والتي يحمل اسمها ، سافر اليها واجتاز البوابة القديمة وهو يتذكر تلك الأيام ، حقا أنه عالم التغيرات .
اصبح له مرسم كبير وتلاميذ ، وذات صباح حضر رجل ومعه طفل صغير له وجه بيضاوي وفي الثانية من عمره وتوسل اولياؤه للرسام العظيم أن يعلمه ويدربه ، كان ابوه رساما وتعلم كيف يستخدم الرصاص والفرشاة ، كان الطفل رفائيل ماهرا وذكيا ومحبوبا وقال بياترو كلمته : إنه تلميذي الآن ويوما ما سيصبح استاذي وسأتعلم منه .
كان بيروجينو جادا ومخلصا في عمله الذي نما وازدهر وتجاوز كثير من الفنانين الجدد ، ولكنه كان غيور من تلك الشخصية الجديدة التي اصبح لها قوانين فنية جديد ، ولقد تحدث بإسهاب عن بغضه للطراز الجديد وذات مرة دار بينه وبين الفنان الكبير مايكا انجلو شجار خطير .

اكتفى بالعمل على طريقته واسلوبه وغادر فلورنسا عائدا إلى بيروجيا لبيته وزوجته الجميلة تشاير التي جلبت له السرور وقام برسمها في العديد من الصور ، وكان يرسم في سنواته الأخيرة بنفس الجد ولكن الأيام الآمنة لم تستمر فقد عصف بالريف داء الطاعون الذي داهمه ومات ودفن باسرع مايمكن في حقل مفتوح تحت شجرة سنديان .

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة السابعة / فيليبينو ليبي ١٤٥٧ ـ ١٥٠٤م

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان


قراءة / راضي جودة




فيليبينو ليبي ١٤٥٧ ـ ١٥٠٤م
تولى فرا ديامنتي رعاية فيليبينو الصغير الذي ابدى رغبته كي يصبح مثل ابيه رساما دون الخوف عليه ان يتسكع في شوارع فلورنسا عاريا ، وعندما بدأ في تدريبه كان لديه الكثير من النقود ، وبدى تدريبه مختلفا فاستاذه هو ساندرو بوتشيللي من تلامذة والده وعمل معه في براتو .
مضدت ايام الصبي في تقدم بالمثابرة والاجتهاد ودون الوقوع في أخطاء أبيه ، كما قام بتطبيق كل الصور التي استطاع معلمه أن يلقنه اياها ، ثم بدأ يرسم صوره الخاصة .
وكان عمله الأول رسم كنيسة كارمل وهي ذات الكنيسة التي تعلم فيها فيليبو وديامونتي دروسهما، وقد تطلع برهبة واحترام إلى أعمال ماساتشو .
مات الرسام العظيم توم القبيح Ugly Tom ومازالت أجزاء من رسومات الكنيسة لم ينته العمل بها بعد ، لذا دعى فيليبينو ليملأ هذه المساحات بعمله ورسومه ، ولم يكن الصبي الصغير في حاجة للتوصية ألا يرسم صور أرضية ، واصبح هناك من العمل الكثير الذي ينتظره .
والجميل الذي تميز به هذا الفنان كان ولعه بدراسة الزخارف الرومانية القديمة ورسمها في صوره متى كان ذلك ممكنا، وأضحى جد مشهور بهذا النوع من الفن .
ومثل سائر فناني فلورنسا العظام ما إن زاع صيت فيليبينو حتى دُعى إلى روما ورسم العديد من الصور هناك وتوقف في طريقه عند سبوليتو وصمم هناك نصبا من المرمر على قبر والده .
لم يكن فيليبينو مثل والده مغرم بالسفر والمغامرة حتى دعوة ملك بلغاريا له لم تغره ليترك وطنه ، وكانت كنيسة سانتا ماريا نوفيلا في فلورنسا آخر رسوم الجص التي رسمها وكأنها حقيقية وحية لدرجة أن أحد تلاميذه انتهز فرصة خروجه وكان يوجد كيس من القطع الذهبية ، ولكن فيليبينو عاد فجأة فارتبك الولد الذي أخذ الكيس واراد أن يخبئه في فجوة بالحائط ولم تكن الحفرة إلا رسم ولون .. كانت الحفرة مرسومة مما أدى إلى ظبط الولد الذي اضطر ان يعترف خجلا .
ما كاد فيليبينو ينهي رسوم الجص حتى أصابته حمى وتوفى بغتة مثل والده .. وعندما عبرت جنازته شارع باي دي سرفي أغلقت جميع المحال التجاريه وبكته فلورنسا كلها .. والذي أصبح أميرا للفن بها .

الاثنين، 4 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة السادسة / دومينيكو غرلاندايو ١٤٤٩ ـ ١٤٩٤ م






قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان
قراءة / راضي جودة

دومينيكو غرلاندايو ١٤٤٩ ـ ١٤٩٤ م
والد دومينيكو كان صائغا بارعا واكتسب لقب (غرلاندايو) أي صانع الأكليل لشهرته في اتقان صناعة الأكاليل والأطواق الذهبية والفضية والتي كانت الجميلات تتزين بهن أنذاك ، التحق دومينيكو بورشة والده وسرعان ما تعلم كيف يلف السلك الذهبي الرقيق ويخرج تصميمات اسعدت والده وكانت محل افتخاره .
لكن صنع الأكاليل لم يرض دومينيكو، وكما حدث لبوتشيللي بدأ يحلم أن يصبح رساما ، لشعوره بان عمل صانع الحلي ضيق ومحدود ، وتاق لعمل أوسع ، وكان يقضي ساعات فراغه في رسم الوجوه الي تأتي لمتجره أو تلك الوجوه العابرة .
وظهرت في لوحاته وجوه يعرفونا الناس والمألوفة لهم من النبلاء الفلورنسيين والسيدات بالقصور حتى الباعة والمزارعين وذات يوم رسم اسقفا يرتدي نظارة تستقر على أنفه ، ولقد كانت هذه هي المرة الأولى التي ترسم فيها نظارة في صورة .
وكأي شخص كان عليه أن يذهب إلى روما ليضيف مساهماته ولكن معظم عمله قد تم في فلورنسا ، وهناك معبد في كنيسة سانتا ماريا نوفيلا يخص عائلة ريتشي ، قد تلفت بعض الرسومات التي كانت تغطي جدرانه بفعل الرطوبة ، ففكرت عائلة تورنا بوني ان تنال شرف ترميم رسومات المعبد فذهبوا لعائلة ريتشي وعرضوا عليهم ان يتكفلوا بالاموال والإشراف علي إعادة الرسم بواسطة الرسام دومينيكو الذي بدأ اسمه يلمع في عالم الشهرة وعرض عليه جيوفاني تورنا بوني ألف ومائتين قطعة ذهبية على ان يزيدها مائتين من القطع إذا أعجبه الرسم ، وكان المبلغ كبير بطبيعة الحال ، فعمد غرلاندايو إلى العمل بكل سرعة وبشكل يومي حتى اكتملت الرسومات في العام الرابع .

ثم تنازع حدث بين عائلة ريتشي بعد الرسومات والتجديدات التي غيرت عليهم المكان لولا ان جيوفاني قدم لهم ترضية بان اهم الرسومات التي تؤكد أحقيتهم بالمعبد رسمت في مكان مرتفع وخاص ، وقد ابدع دومينيكو في رسم قصة العذراء من لحظة ميلادها ثم ارسالها للمعبد والخدمة به وهي طفلة بعمر الثلاث سنوات وعندما غدت شابة وتقدم لها يوسف ثم جائتها البشارة بالمولود المقدس قصة مكتوبة داخل الكتاب بعناية ولكن ليست كما هو السياق المعروف في سورة آل عمران ولا كما هي بكتاب العهد الجديد ولكنها اي القصة تتسم بالتشويق والملائكية بعدها اي بعد الانتهاء من رسم قصة العذراء ، وافته المنية وهو في الرابعة والاربعين من عمره .

الأحد، 3 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة الخامسة / ساندرو بوتيشيللي (مارس ١٤٤٥ ـ مايو ١٥١٠) م

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان
قراءة / راضي جودة









ساندرو بوتيشيللي (مارس ١٤٤٥ ـ مايو ١٥١٠) م
في الوقت الذي رسم فيه فيليبو صوره وجلب الشهرة لدير كارمن ، كان المواطن ماريانو فيلييبي في محنة عظيمة بسبب أبنه الرابع اليساندرو الذي لم يستقر له قرار في تعليم أو تجارة أو عمل ، ثم قرر يائسا أن يرسله إلى ورشة جار له يدعى بوتيتشيللي وكان صائغا متقنا لعمله ، وقد وافق أن يقبل ساندرو كتلميذ له وقد عرف التلميذ باسم استاذه وسُمى ساندرو بوتيتشيللي .
عمل ساندرو لبعض الوقت مع استاذه في رسم تصميمات لصائغي الذهب ، واتسع عقله بما يرى وبسمع ووجه قلقه واحلامه إلى أن يصبح رساما ، ولم يعد لوالده اي قرار أو رأى بل استسلم للأمر الواقع بارسال إبنه ليكون تلميذا لــ فرا فيليبو ليبي وسرعان ما أضحى المفضل لدى استاذه ، والذي تنبأ له بمستقبل باهر في الرسم ، وكان يصطحبه معه في أماكن مختلفة ليساعده في عمله.
مرت السنوات ولم يعد الأب يشكو من أبنه الذي اصبح له اسم مشهور في فلورنسا ، وكانت الفرصة مواتية فقد كان عهد الحكم للورينزو ابن كوسيمو دي ميديسي ، وبلاطه يمثل مركز الجمال والروعة ، وكان كوالده يسره أن يكتشف رساما جديدا وسرعان ما أضحى بوتيتشيللي النفضل عنده .
ولم تعد موضوعات القديسين والملائكة وعين العذراء الحزينة هي موضوعات ذلك الوقت وقد فاض بوتيتشيللو في رسم موضوعات راقصة مبهجة ومن واقع الأرض .
سيمونيتا هي السيدة الوحيدة التي أراد أن يرسمها ساندرو كفينوس والتي ولدت من زبد البحر وقد طفت على الشاطىء واقفة في صدفة وقد التف حول شعرها الذهبي، هذا الفنان العاشق للجمال لم يتزوج قط ولم يبال بوجه جميل آخر ، وله طبيعة في المرح ساحرة ، عندما تضرر من جاره المزعج والذي يعمل في ورشتة بصوت مرتفع يرتج معه البيت ولا يستطيع مع ذلك ساندرو ان يرسم وعاتب الرجل الذي تمسك بما هو عليه تحت العنوان الكبير انني حر في منزلي ، فما كان من ساندرو الا البحث عن حجر ضخم وضعه بمان مرتفع ومع أول هزة ربما يسقط فوق ورشة الجار ، فلما رأى جاره الحجر وضخامته خاف ان يحطمه هو وورشته وطلب من ساندرو ان يرفعه بعيدا ولكن كانت اجابته مثلما قال له الجار من قبل : الا يستطيع الانسان ان يفع ما يريد بمنزله .
وهكذا تعلم الجار الدرس ولم يعد يسبب له الضوضاء .
وقصته مع تلميذه باجيو مرحه جدا عندما اراد مساعدة باجيو في بيع أحد لوحاته وطلب من باجيو ان يضعها تحت ضوء مبهر ثم يذهب لإحضار المشتري وقام هو وتلامذته بتغطية رؤوس صور الملائكة بالشمع وبالوان القبعات التي يستخدمها العامة في فلورنسا وعندما جاء باجيو ومعه المشتري كان ان يفقد عقله ولم يتصور هذا التحول الذي حدث لملائكة لوحته ، وكان المشتري يشعر باللعبة ولم يتراجع عن فكرة شرائها .
ولم تدوم نعمة البهجة والبزغ التي صاحبت حياة لورينزو الرابع فقد خرج من دير سان ماركو الراهب سافونارولا الذي اجتمع الناس حوله كانه صرخة ايقظت الناس وهنا ترك ساندرو مرسمه ورسوماته واصبح تابعا للراهب .
في هذا العهد من الترف والمتعة خرج شباب ماجن يعترضون الناس بالطريق للحصول على أموالهم ولكن سافوتارولا اعمل عقله وحاول تطهير المدينة من تلك المظاهر وصار الشباب يجمعون الأموال من أجل مساعدة الفقراء وتحولت ألعابهم ونشاطاتهم لأشياء نافعة ، ولكن كما نعرف أن دوام الحال من المحال حيث احتشد الناس ضد هذا الراهب الذي كان شعلة النور بالنسبة لهم انقلبوا عليه ، الذي صرف كل وقته يعلمهم ويحسن إليهم احرقوه.
ومر وقت طويل بعد ذلك قبل ان يهتم بوتشيللي بمعاودة الرسم مجددا، كان تجاوز سن الشباب يائسا وحزينا وناقما على هذا العالم الذي عامل السيد الذي أحبه بكل تلك القسوة ، هذا الفنان الذي رسم الأرجل الرشيقة الراقصة صار يمشي مستندا على عكازين ، وزبلت ازهار السوسن التي كان يعتني باظهار جمالها.
الجزء الأخير من حياة بوتشيللي هنا منقول من ويكيبيديا : «  من رسامي عصر النهضة الإيطالية. عاش بفلورنسا حيث أبدع أعماله. تتميز لوحاته بخطوطها الواضحة المتناسبة وألوانها الرقيقة وزخارفها المتعددة وشاعريتها. ولم يشارك بوتيشيللي زملاءه الفلورنسيين في اهتمامهم بالعلوم والطبيعة، لذا فإنه لم يحاول أن يصوِّر المناظر ذات الأبعاد وفقًا لقوانين المنظور، أو يُصوِّر جسم الإنسان وفقا لقوانين علم التشريح.
تنقسم أعمال بوتيشيللي إلى قسمين: يصور في القسم الأول زينة الحياة الدنيا، والقصص الأخلاقية المعقدة، والموضوعات الأسطورية الجميلة. ويكشف في القسم الثاني من أعماله عن مشاعر جادة ومنضبطة، ومثال ذلك لوحاته التصويرية لملحمة دانتي الكوميديا الإلهية وكذلك لوحاته الدينية. وفي أواخر تسعينيات القرن الخامس عشر الميلادي، بلغ تأثر بوتيشيللي بدعوة سافونارولا ضد الانغماس في المتع الدنيوية مبلغًا جعله يحرق بعض لوحاته غير الدينية، ويرسم منذ ذلك الحين لوحات دينية فحسب.

  •  لجأت أُسر فلورنسية غنية كثيرة إلى هذا الرسام لكي يزخرف منازلها ويرسم لوحات لها . وقد ساهم في تزيين كابيلا سيسيتن في روما . غير أن شهرته تكمن في لوحات عدة منها العذراء الممجدة في فلورنسا ، وبعض الرسوم لتزيين كتاب دانتي ((الملهاة الآلهية)) . وحوالي نهاية حياته راحت شهرته تقلّ إثر أفكار ليوناردو دافينشي ، ومايكل أنجلو »

السبت، 2 يونيو 2018

فرسان الفن .. الحلقة الرابعة / فرا فيليبو ليبي ١٤٠٦ ـ ١٤٦٩م

قراءة في كتاب فرسان الفن حول قصص حياة الرسامين الإيطاليين 
للمؤلفة إيمي ستيدمان
قراءة / راضي جودة








فرا فيليبو ليبي ١٤٠٦ ـ ١٤٦٩م
في أحد الشوارع الضيقة وفي مدخل بيت كبير كان يجثو ولد صغير خلف حجر من أحجار الأعمدة ممسكا به لينجو من قبضة الريح العاتية وملتف بمعطف مهترىء وممزق يكاد يغطي جسده النحيل فيما كانت شفتاه ترتعد بردا وامتلأت عيناه بالدموع . 
مع ذلك لم يقابل فيليبو العالم بوجه حزين بل باستهزاء ومرح ، كان لدى الأطفال الآخرون أباؤهم وأمهاتهم الذين وفروا لهم الطعام والملابس ، ولكنه بدا مختلفا تماما فلم يكن لديه أبدا من يهتم به كسائر الأولاد، حتى عمته التي تولت توفير المأكل المشرب له رغم وجود والدية كانت تعاني الفاقة والبؤس ، وقد تعلم في فصل الصيف ان يلتقط بقايا عناقيد العنب أو قشر الشمام الذي يلقي به البعض وهم ينظرون له وهو يترقبهم وكان البعض منهم يبتسم ولكن الشتاء لا يرحم الجائع وقشر الترمس الذي جمعه لإفطاره قد تناوله كله منذ وقت طويل .
كان يمضي يومه باحثا عن مأو ى من برد وشبع يخمد ألدم الجوع ، حتى انه يجمع بقايا الشموع السائلة بمجراف حديد ليعاود بيعها ثانية لصناع الشموع ولكنه لم يجد شيئا ، وكل ما كان يلقاه من القوم العبوس في وجهه كمن يرى كلب ضال وأجرب ، حتى وجه عمته التي لن تملك طعام إن لم تنه عملها، وها هو الولد قد عاد وقد ظنت انها تخلصت منه هذا اليوم ولما رأت البؤس والجوع والبرد يملأ كيانه .. دفعته أماما بعد أن اتخذت قرار الذهاب إلى الدير .
عندما سمح لهما الراهب الطيب بالدخول وأوصلهما إلى رئيس الدير الذي كان يتناول غداءه فثبتت عينا فيليبو الجائعتان بتجاه قطعة خبز على المنضدة ، وعندما ابتسم له رئيس الدير وأومىء له برأسه حتى أنقض كالطائر على قطعة الخبز واختطفها، وبعد ذلك أصبح الطفل ذي الثمان سنوات يلبس حلة من الصوف بنية دافئة وطعام لم يحلم به من قبل وليأكل قدر استطاعته!
وعندما اراد رهبان الدير تعليمه أشياء أخرى غير الأكل لم ينجحوا تماما فهو لم يستوعب الحروف اللاتينية ولم يراها إلا أشكالا يعبث بها ويرسمها باشكال وحشية وعهدوا به إلى الراهب أنسيلمو ليتعلم مع تلاميذه الرسم واندهش فيليبو للزيل الذي يكبره يدعى ديامنتي وخبرته في رسم الخطوط المستقيمة والمنحنيات .
واصبحت اصابع فيليبو طوع افكاره ولديها القدرة على الرسم بجمال أكثر من أي شخص آخر لدرجة أن استاذه الراهب أنسيلمو يقول بأنه هذا الطفل الغبي الذي لم يتعلم الحروف الهجائية سيجتازنا ويتركنا خلفه .
حين ناداه رئيس الدير ليقوم بالرسم فوق الجص الأبيض الناعم وأنا يرى المنتج من هذا التعليم الذي استغرق وقتا وصبرا حتى أدركه ، راح يرسم فيليبو الناس في الشارع وزوار الكنيسة وزاع صيت ما يدور ويتحدث الناس عن الشخصيات المرسومه وصارت جلبة داخل الدير مما استدعى تدخل رئيس الدير ليوقف هذا العبث ويعنفه بأنه ما هكذا يتعظ الناس ولابد من رسم القديسين والسماء ، ولكن فيليبو أراد رسم الأرض التي يعرفها ولما امسك بأدواته ليرسم من ديد صور الملائكة لم تكن صعبة عليه وإنما لايريد هو ذلك يريد أن يرى الناس ووجوه غير وجوه الرهبان والدير وأر اد الخروج من هذا المكان ، وفي أحد الليالي أستطاع الخروج من الدير وانطلق مع الشوارع والأرض الفسيحة حتى وصل إلى البحر الهادر بأمواجه وقد اعتلى سفينة ولم يشعر ركاب السفينة أنهم ابتعدوا كثيرا إلا حينما داهمتهم سفينة الموروكن أو المغاربة كما كان يطلق عليهم ذلك ممن يأخذون الناس أسرى ويبيعونهم عبيدا (قراصنة) .. في اللحظة التي ظن أنه حرا طليقا ويبلغ عنان البحر والسماء كان صوت الأصفاد وحده هو الذي يشعر معه أنه ما كان عليه أن يغادر الدير .
واخيرا وصلت السفينة إلى ساحل بارباري وحرر العبيد من قيودهم ومجاديفهم وأخذوا إلى البحر ، كل هذا وعيون فيليبو لا تمل مشاهدة الناس ودراسة وجوههم ، وفي أحد الأيام أقترب من حائط أملس وتناول عصا مفحمة وراح يرسم وجه سيده ، كان مسرورا والصورة تكبر بين أصابعه .
لقد استغرق واندمج مع الرسم للدرجة التي لم يشعر معها بالزحام الذي تجمع حوله ، لكنه عمل بثبات حتى اكتملت الصورة ، ومثلما تجمع الرهبان في دير كارمن صامتين ظل اصحاب الوجوه السمر يحدقون متعجبين مندهشين ، وعندما هرع أحدهم ليحضر الربان .. أتى السيد وكان مندهشا كبقية الرجال وبالكاد يصدق عينيه حين رأى نسخة طبق الأصل من صورته على الحائط . 
أمر السيد أن تحل قيود فيليبو في الحال وأن يعامل باحترام وأن يحمل آمنا للعودة إلى إيطاليا ، وضعوه على شاطىء نابلس ومكث قليلا يرسم الصور للملك ولكن قلبه كان متعلقا بفلورنسا التي سرعان ما عاد إليها ، وإن كان لا يستحق الترحيب ولكن 
الجميع فرح بعودته ورغم المتاعب التي صادفها كان يحب الحياة ومسراتها واراد الحصول على إجازة من الرسم بعد أن ترك أدواته مبعثرة حوله وتكاسل عن العمل ، كان كوسيمو صديقا دائما للرسامين ورغب في ان يرسم له فيليبو صوره دونما أي تأجيل ، وقد أعد حجرة عالية في قصره للرسام ويسر له كل ما يحتاجه وكان سعيد في البداية وبدأ يرسم ، ولكن عندما شعر بأنه مسجون داخل الغرفة التي يغلق بابها من الخارج لم يتحمل البقاء بعد ان نظر من خلال النافذة المرتفعة عن الأرض ورأى بعض الناس يمرحون في سعادة ففكر في الهروب من المكان عن طريق تمزيق الأغطية والشراشف وربطها في قضبان النافذة وتدلى خارج المكان ، بعد اختفاؤه عدة أيام اعاده كوسيمو دون ان يغلق عنه الأبواب فراح يرسم من صميم قلبه في حرية وانسجام مريم الجميلة والملاك ، وجاءت طلبات لرسم الصور من كل حدب وصوب إلى فيليبو ليبي لمختلف الكنائس والأديرة وكانت الصور تحمل ملامح بعض أصدقائه دون أن يلحظ ذلك أحد .
كان اقرب أصدقاء الفنان الشاب رفيقه القديم فرا ديامنتي وظلا يعملان معا وجاءهم الأمر من براتو أن يذهبا معا ويرسما جدران سان ستيفانو ، وصل الرسامان مع تلميذهما المفضل بوتشيللي وغطيا الجدران برسوم الجص ، وبينما يضع فيليبو اللمسات الأخيرة لصورة لفارا ديامنتي صور فيها موت سان ستيفانو كان يقول له : أنهما في حاجة لإجازة معا بعد أن أمضيا وقتا طويلا بالعمل وفيما يواصل حديثه جاءته رسالة من رئيس الدير في سان مارجريتا راجيا اياه العودة لكي يرسم هيكل كنيسة الراهبات ، فابتسم فيليبو لديامنتي وهو يردد الذي يجب ان يكون .. يجب أن يكون ! سابذل ما في وسعي لأسعد هؤلاء النسوة الجليلات ولكن لا مزيد بعد ذلك .
استقبلته رئيسة الدير الوقورة عند باب الدير وقادته عبر الحديقة المشمسة ويدخلان للكنيسة المظلمة وفي صوت عذب خفيض اخبرته بما يريدونه أن يرسم العذراء المقدسة والطفل المبارك ، وأرته المكان أعلى المذبح .
بدا الرسام مصغيا ولكن ذهنه كان شاردا! لقد مَنّى نفسه طيلة الوقت أن يعود إلى الحديقة المشمسة حيث رأى وجها صغيرا جميلا وينظر عبر زهر اللوز ، وحين توقف الصوت الهادىء لرئيسة الدير قال فيليبو :
سوف أبدأ غدا في الرسم ، وفعلا مع بداية اليوم التالي بدأت اللوحة تتمدد وتكبر من بين أصابعه ولكن تلك الأصابع الخمس لم تساعده لإستكمال الصورة التي يحدق بها ، وسأله الصوت الهادىء الذي لم يشعر بلحظة دخوله : أثمة خطأ ما ؟!
ـ يبدو أن الخطأ في أصابعي .. لقد وجدت وجها وأنا أعبر حديقة الدير .. هذا هو الوجه الذي أريده بالتحديد ، وإذا حضرت أمامي ورأيتها لساعات ستكتمل الصورة كرغبة الأخوات .
وبعد ان استغرقت رئيسة الدير لحظات في التفكير لتحقق له رغبته :
ـ إنها الطفلة لوكريزيا التي أرسلها أبوها دوق بيوتي في فلورنسا ، إنها لا تزال راهبة تحت التجربة ، ولا ضرر إذا سمحوا لها أن تعيره وجهها الجميل كنموذج لسيدتنا .
جائت لوكريزيا لتجلس أمام هذا الشاب الوسيم ويراها ويتحدث معها وحدهما وتطور الأمر بينهما، واخبرها فيليبو أنه أحبها ، وقالت إنها لا تتصور حياتها بعد رحيله ، واتفقا على إشارة فيما بينهما للهروب سويا والحياة معا في فلورنسا ، تميز أبو لوكريزا غيظا وفزعت الراهبات وتعجب الجميع من هذه المغامرة للرسام الفلورنسي 
ولحسن حظ فيليبو أن صديقه كوسيمو وقف إلى جانبه بعد ان توسل للبابا ليسمح لفرا فيليبو بالزواج من لوكريزيا وقد تعطف البابا وأجابه لطلبه، وعندما أتى الربيع جاء الطفل الذي أراد الأب أن يسميه فيليبو فقالت الأمن أنه صغير وليكن اسمه فيليبينو وصارت صوره ورسوماته اكثر إشراقا بعد استقرار حياته وقد اقبلت طفلته التي اسماها اليساندرا تيمنا بحضور تلميذه المحبوب ساندرو بوتيشيللي الذي تنبأ له انه سوف يوقظ العالم على أعجوبة جديدة ، وصارت الحياة مع فيليبو تسير بين عمله في الرسم وبين بيته وحبه للوكريزيا حتى كان اليوم الذي يجب أن يغادر إلى سبوليتو ليعمل في كنيسة سيدتنا لمدة ثلاثة أشهر مصطحبا صديقه المخلص ديامنتي ، ومضت الأيام والزوجة الشابة العاشقة تنتظر وصول حبيبها حتى لاح لها من بعيد ديامنتي عائدا وحيدا ليحمل لها الخبر بنفسه ، فقالت له : لا داعي أن تخبرني لقد مات ولكن كيف كان ذلك ؟ .

ساعات من الألم وبعدها فارق الحياة لقد كان هناك حديثا عن سم ولكن من يستطيع أن يجزم ؟ وماتت الفرحة في حياة لوكريزيا .