الخميس، 30 يوليو 2020

السينما تشكيل .. واللوحة فيلم وثائقي









السينما تشكيل .. واللوحة فيلم وثائقي


راضي جودة


عناوين جانبية :


ـ السينما العالمية اعتنت عناية كبيرة بصناعة الأفلام التي تتناول سيرة حياة التشكيليين واعمالهم 

ـ السينما تتفرد في تقديم الحلم بأشكال متعددة خلال صناعة صورة محكومة بقيم تشكيلية ومنهج هندسي

ـ الانماط التشكيلية من واقعية وتأثيرية وسريالية وخاصة التعبيرية تركت أثرها على السينما

ـ ليس الفن التشكيلي وحده الذي تداخل مع الفن السينمائي ولكن معظم الفنون وجدت نفسها داخل السينما




الفنان التشكيلي الذي ابدع بالمشاركة في تكوين وتشكيل وجدان الناس في كل مكان بالعالم من خلال ما ينتج من لوحات سوف يقف أمامها التاريخ الإنساني طويلا ، ويسجل بإسهاب عن مشاعر هذا الفنان الذي استطاع أن يوثق لحظات فارقة في حياة الناس ، ومنها على سبيل المثال قرية جرنيكا الإسبانية التي أغارت عليها طائرات النازية الألمانية والفاشية الإيطالية ، والوقوف على تفاصيل اللوحة التي رسمها الفنان الأسباني بابلو بيكاسو حول المأساة ، تلك المأساة التي صارت موضوعا لفيلم تسجيلي فرنسي مستعرضا اللوحة مصحوبة بقصيدة مليئة بالحيوية للشاعر بول إيلوار والفيلم من تصوير هنري فران وإخراج آلان رينيه وروبير هسن ، حيث اجتمع التشكيل والشعر والسينما ـ صاحبة المؤثرات الصوتية والبصرية ـ في كيان واحد ، ومن كلمات القصيدة :

عاد رجل كان يحمل بين ذراعيه

حملا يئن وفي قلبه حمامة

يغني من أجل البشر الآخرين

أغنية الثورة المجيدة

التي تقول للحب مرحى .. وتقول للظلم لا

تقول إن جرنيكا مثل هيروشيما .. هي عاصمة السلام الحي .

مدة الفيلم ساعة و١٣ دقيقة ، واللوحة نقلت إلى متحف الملكة صوفيا بمدريد في عام ١٩٨١م.

وقصيدة أخرى بكلمات أكثر قسوة للشاعر إيلوار أيضا تقول :

رصاص المدافع الرشاشة

يقضي على القتلى

رصاص المدافع الرشاشة

يداعب الأطفال

أسرع مما تداعبهم الريح

بالحديد والنار

حفروا الإنسان كما لو كان منجما

حفروه كما لو كان ميناء

بغير مركب

حفروه كما لو كان موقدا بغير نار .

  وهناك لوحة للفنان شاجال اسمها ( القرية ) يرسم القرية التي دمرت ونرى تفاصيلها في عين واسعة لبقرة .

كما أن السينما العالمية اعتنت عناية كبيرة بصناعة الأفلام التي تتناول سيرة حياة التشكيليين واعمالهم ، وهي أفلام كثيرة نذكر منها :

فان جوخ وجويا وبيكاسو وفريدا وسيرافين ومايكل أنجلو وغيرهم ، من خلال بعض الأفلام ( Frida, Goya’s Ghosts, Edvard Munch, Surviving Picasso, Modigliani, Lust for life ).

والعديد من التشكيليين السورياليين كانوا ينظرون للسينما بأعتبارها وسيطا مثاليا لاكتشافات بصرية وفنية ، وعوالم أخرى ، وقد قام بعضهم بمحاولات تجريبية مع الأفلام لأغراض سريالية فقد كتب بيكابيا سيناريو فيلم (استراحة) من إخراج رينيه كلير ، وسلفادور دالي شارك بونويل في كتابة وإخراج (كلب أندلسي) .

ومن أشهر التشكيليين العرب الذين مارسوا الكتابة والإخراج السينمائي .. شادي عبد السلام ، ويوسف فرنسيس ، وكمال الشناوي ، والسينما ليست عمل فني واقعي فحسب وانما اعتنت بالصورة والمجال البصري عناية خاصة جعلها تتفرد في تقديم الحلم بأشكال متعددة خلال صناعة صورة محكومة بقيم تشكيلية ومنهج هندسي مصاحب لوجهات نظر  وتجارب استحدثها ( رينوار ـ ديجيه ـ ومونيه ) وغيرهم عندما قدموا لوحات نابضة بالحياة ومتوازية في العمق والضوء والظل ، وتداخل الأجسام على أبعاد عميقة قبل السينما .

والمشاهد السينمائية قد تطورت بشكل غير عادي .. حيث تمت ترجمة بعض الأفكار التي كانت فوق مستوى التخيل ـ وهو بالقطع عمل تشكيلي ـ إلى عمل يمكن رؤيته خلال أفلام مثل حرب النجوم وأفاتار وهي أفلام بذل فيها الإخراج إبداعا تقنيا على المستوى البصري كما قلت بالاضافة لتطوير الريبوتات واعتمدت الرسم والفن الرقمي وكم هائل من التشكيلات واختلاق أبطال رقميون ليس لهم وجود في حقيقة الحياة .

والانماط التشكيلية من واقعية وتأثيرية وسريالية وخاصة التعبيرية تركت أثرها على السينما واهتمت بالمحتوى التفصيلي لخطوط المشاهد وتتابعها ولعل فيلم اخناتون لشادي عبد السلام هو احد الشواهد لتجلي الإيقاع التشكيلي على السينما .. رغم أننا نريد التأكيد على أن الفن السينمائي عندما يتعرض للفن التشكيلي قد يتم خلق فن جديد فاللوحة لايمكن تصوير تفاصيلها خاصة الواقعية وأمام السينمائيين الطبيعة الساحرة الخلاقة والمتشبعة بالابداع يأخذون منها مايشائون وقد تكون ألوان اللوحة لدى الفنان موحية وتعطي مجال أرحب للإخراج والديكور ولكنها تخالف المتخيل كما نشاهد ذلك في بعض قصص الأطفال ـ اليس والاقزام ـ وغيرها ، فالمعالجة السينمائية قد تكون متصادمة مع المتخيل داخل القصة المرسومة أو اللوحة التي تدور بها الأحداث . نعم قد ترتفع القيمة البصرية والمؤثرات الصوتية داخل العمل السينمائي وتلك مشاكل فردية بين فناني القطاعين من فكرة وأدوات .

وليس الفن التشكيلي وحده الذي تداخل مع الفن السينمائي ولكن معظم الفنون وجدت نفسها داخل السينما منها الإضاءة والديكور والموسيقى والتصوير ، ويصرح المصور السينمائي المعروف ـ لي جارس ـ أن الفنان التشكيلي رمبرانت هو المفضل لدية ، وقد درس كل أعماله وخاصة المتعلقة بتوزيع الإضاءة في بداية عمله في التصوير ، فاللوحة التي تعتني بالضوء والظل ليست فقط صورة جميلة ومبهرة لتجسيد الواقع وتحديد الزمان والمكان للواقعة أو الحدث ، ومن المعروف سينمائيا الاستعانة بفنانين تشكيليين لرسم بعض المشاهد وكادرات بعض اللقطات واستخدامها في إحداث تأثيرات درامية وهتشكوك استعان بسلفادور دالي في فيلم ـ المأخوذ ـ كما اسند إليه المخرج ريتشارد فليشر تخيل العالم الداخلي لجسم الإنسان في فيلم رحلة العجائب ، والمصري شادي عبد السلام كان يرسم المشاهد بنفسه وكذلك تصميم الملابس والاكسسوارات وهو بالاساس فنان تشكيلي .

ورغم العناية الكبيرة التي أولتها السينما العالمية في تتبع سيرة وحياة الفنانين التشكيليين ، وإظهار مجهودهم ونضالهم والمعاناة التي عاشوها في ظل بعض الحكام والأحكام والديكتتوريات والعصف المجتمعي والاضطهاد ، إلا أن السينما العربية وبعض الدول الأخرى قد خلقت صورة ساخرة عن الفنانين واعمالهم واطوارهم وسلوكيات انطبعت في أذهان العامة بالبوهيمية والنرجسية المريضة بل وبالجنون حتى وصل الأمر إلى فكر بعض الهواة والمبتدأين بل وبعض الكبار من الموهومين من انه لابد من ذلك للفت الأنظار متحججين بشارب دالي الذي يتصورون أنه وحده سبب شهرته ، تركوا الأعمال والأفكار والمشاريع الفنية الكبيرة وراحوا يبحثون في الملابس والإكسسوارات وطريقة تصفيف الشعر واللحية دون إعتبارات أخرى وهذا أيضا فعل سينمائي بامتياز يؤثر في قناعات الناس حول فن عظيم من الفنون التي توثق لتراث الأمم وتاريخها ، ويأخذني العجب أيضا من السينما العربية التي لم تهتم بقانا ولا بحر البقر ولا الرقة ولا كل المدن التي أبيدت بفعل فاعل والأطفال الذي قتلوا أو أغرقوا (الدرة .. ليان .. عمران ) أو منن تقطعت اشلائهم ومن اختطفوا ليتحولوا إلى قطع غيار آدمية في سوق الإتجار بالبشر ، السينما لا تتقصى وراء اطفال الشوارع والمشردين والباحثين عن مأوى إلا قليلا ، دور السينما ودور الفنان التشكيلي من الأهمية بمكان أن يظهر تلك الأمور كلها والبحث عن حلول ترتقي بالإنسان والإنسانية .



الأحد، 2 ديسمبر 2018

الديدبان





الديدبان
حالة فنية شاسعة المساحة ، كما البحر تدهشك أمواجه  المتتالية والهادرة على الرغم من هدوء سطحه الذي يغريك للإبحار عبر هذا الهدوء دونما اي حيطة أو حذر من نواته وإنقلاب امزجته ، ديدبان حالة كونية تعيش على متن كوكب الفن ولا ترضى بالعيش فيما سواه ، دعني أطرح عليك سؤال : هل جربت أن تراه في عزلة الناسك ؟، يجلس متأملا فوق فراش كان يوما هو كل مايملك زاهد يعتكف الاسطورة ويرسم ملامح الخط الفاصل بين التشتت واليقين ، هل فكرت يوما أن تشاركه لعبة استرجاع الطفولة التي فقدها ؟ وتحاول ان تفكك جزء من احجياته ، هذا الفنان المتأمل دوما في عزلة المكان وغيابه وسطوة البياض وحضوره
شاعر يترك قصائده بلا نهايات وقاص تلتبس علي من يقرأ له ، تحديد هوية البطل ، المكان بطل ، والعلم بطل ، هو أي شيء وهو كل شيء ، حيرة تتجاوز كل حيلة للفهم .
ديدبان يعطيك مفتاح الوصول لحجرته وخارطة التحقق من خلال لون مرسوم دون سهم توجيه .. فقط لون ومساحة ، وقصة طفولة . ماجن هذا الطفل الذي شاب في قشرة الأيام وتحت وطأة أرقام التقويم .
لا ليست ذات بال تلك الأوراق والأخبار وكلمات المديح ، وتفكيك المشهد على يد النقاد ، أنت تنقاد طواعية وراء هذا البياض الذي يلفك مرة مثل زهرة الفل ، ومرة مثل أوراق المحارم ، ومرات مثل الكفن ، وداعية أيتها الحياة إن لم يكن وراءك جديد ومهم ومكان ووطن وعلم ، ونهاية إغتراب .. مهم إلى حد الضرورة أن تعرف من هو أيمن يسري الذي يشرح لك أدق تفاصيل الفعل الذي ارتكبه أمس فجرا من خلال إبداع كرتون عندما تلامسه ابهامك يدق نغما ، غريب أن يكون للكرتون صوت ولجلدة الأرض ملمس وإحساس بالقشعريرة ، ربما لا اتجاوز إذا قلت أن بيننا أنا وهذا الفنان ساعات قليلة وكلمات أقل ، ولكنه ترك ناسيا بين يدي مفتاح سره ، وترك معه زر الإنفجار للمفاعل الحيوي الذي لايطلق صفير الإنذار قبل تجليه وقبل وصوله لإكتمال الإنشطار بين نفسك البسيطة وتأملاتك العميقة ، إنه بإختصار حب يجتاحك في كبرياء . هذا هو أيمن يسري ديدبان الذي عرفت .
راضي جودة

الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

ذات مساء

الفنانة منى عمر وألوان من الطبيعة
الأديبة الفنانة مني عمر تعشق الفن وتبحث عن منابعه اينما وجدت تلك المنابع ، وهي بطبيعتها ناشطة اجتماعية تتواصل مع الجميع بوجه بشوش رحب تعلوه ابتسامة ترسم ملامح بنت البلد طيبة القلب ، وفي معرضها التشكيلي بقصر التذوق ( سيدي جابر ) بالاسكندرية تحت عنوان ـ الوان من الطبيعة ـ وهو الدلالة الأولى أو مفتاح شخصية الفنانة الأديبة أو الأديبة التي طرقت بابا آخر من أبواب التعبير ، لأن الوان من الطبيعة يمكن أن يكون عنوانا لكتاب لمهرجان لبرنامج تلفزيوني بمعنى ، أنها بالأصل كائن تعبيري تأخذ بالاسباب لتوصيل ثقافتها وموهبتها وما تملك من ابداع .
ودون الدخول في دباجات تمهيدية أرى أن الأعمال التي أمامي من خلال صور ومع اعترافي الكامل أن الصور ليست كفيلة بنقل الاحساس كاملا إلا أن التشكيلية ( منى ) تدوس تلك الأرضية في وجل ورهبة ولا تغرق افكارها وادواتها في التفاصيل الدقيقة لمعرفتها الجيدة بمقولة : ( المشاكل تكمن في التفاصيل ) وهي مقولة إعلامية لا يؤمن بها الفنان التشكيلي الذي يعتقد أن الأناقة والجمال والإبداع كلها أشياء تكمن في التفاصيل ، تلك واحدة ولذلك جاءت بعض اللوحات تتمسك بالطيف وبالحلم دون تصريح بألوان صريحة قوية .
الملاحظة الأخرى التي أرجو من فنانتا العزيزة أن تأخذ بها في قادم الأيام أن الأنثى إن لم تكن جزء من الطبيعة فهي كل الطبيعة ، ولذلك يجب ان نعتني بتلك الأنثى وتفاصيل جمالها حتى لو اظهرتها الفنانة على انها وقفت لتصطف معنا وتشاهد المناظر الطبيعية دون ان ينتبه من يجاورها بشكلها أو ألوان ملابسها .
الحقيقة وللأمانة توقفت أمام عملين أولهاما ذلك العمل الذي يظهر جزء من سور يطل على بحر ممتد في تشكيل يحجز الرؤية عند تلك المساحة الضيقة بين القائم الاسمنتي تعلوه كرة والتحامه بالبوابة او السور ربما من الحديد أو الخشب ولكن الفنانة هنا جعلت دور البطولة لذلك القائم الأسمنتي الذي كان من الممكن أن يحمل بقايا تمثال ،



وهنا نفتح نوافذ التأويل الفني والأدبي للوحة على بساطة خطوطها .
العمل الآخر لوحة انفعالية خرجة في لحظة إنسانية خالصة وخاصة جدا لمنى عمر لأن مكونات هذا العمل ما بين قمر وأوراق وربما جملة أقلام أو أسهم تلك الأشياء هي ما اسعفتها لتجلية الحالة القائمة القاتمة والمتلقي لا يدري اهي نيازك تتساقط أم أقلام تحاول الصعود وكل تلك أوراق التي تجاور القمر أو أنها حالات انسحاب الضوء عنه منع مرور الأيام .
أخيرا وبغض النظر كما دونت هنا فإن الأديبة الفنانة منى عمر أطلقت للطائر فضاء الإنطلاق ولن يحبس بعد اليوم في قفص الرهبة وحسابات النقاد .
الفنان التشكيلي ـ الكاتب
راضي جودة

الجمعة، 9 نوفمبر 2018

العيون الواسعة .. ترسم أدلة الاتهام .


العيون الواسعة .. ترسم أدلة الاتهام .
راضي جودة
ـ بعض الذين يكتبون عن الفنان لا يعبرون بصدق عن لحظات انتظاره لميلاد اللوحة .
ـ هل ظنت مارجريت كين عندما تركت منزلها أنها هربت من الظلام إلى الضوء؟
الدرس المهم في الفيلم ألا ننساق وراء الكذب من أجل المال .

عندما ينادي القاضي على كل من (المدعي والمدعى عليه)  لا ليقول لأي منهما : اقسم .. بل ارسم !! ، وحينما تساند الموهبة صاحب الحق وتنصفه ، تلك كانت اللحظة الفاصلة التي تسترد فيها مارجريت قلبها وعيونها وفكرها ، وترفع عن كاهلها ذلك الظلم والاجحاف الذي تعرضت له ، وإن كانت ورش العمل والملتقيات في زمننا هذا تكشف زيف الفنان وإدعائه ، فإن المعارض الكبيرة والمهرجانات قد تعكس صورة مغايرة للواقع ولحقيقة الفنان الذي يراه الناس تحت الأضواء المبهرة والكاميرات والكلمات المنمقة والأزياء الثمينة ، وظهرت خلال بعض احداث الفيلم ان دافعت الفنانة عن وجودها خلال رسم لوحة كبيرة تجمع بها الأطفال المشردين وبشكل درامي حتى قوبلت اللوحة بالرفض والاستهجان من الجمهور والنقاد مما جعل الفنان المزيف ـ والتر ـ يفقد عقله ويحاول إحراق المنزل بما فيه زوجته وطفلتها ولوحاتها ، ولكنها استطاعت الفرار إلى هاواي ، نعم إن المخرج الأمريكي تيم بيرتون وهو يطلق فيلم تحت عنوانعيون كبيرة،  وكتب قصته سكوت الكسندر ولاري كاراسزويسكي ، قد وضع منهاجا جديدا للأدلة الجنائية ، وشرط من شروط التقاضي بعدم الرضوخ للشهرة ، وسلطة الإعلام .
ولعل بعض الذين يكتبون عن الفنان لا يعبرون بصدق عن لحظات انتظاره لميلاد اللوحة ، والحذر كل الحذر لمن يقترب من عالمه وكأنه سوف يقع في شرك مخادع أو نصاب في اللحظة التي يأمل فيها الفنان أن يسمع كلمة جميلة أو إبتسامة قد تبقيه ساعات أطول منتشيا بتلك اللحظة التي هي أثمن من بيع لوحة بثمن بخس من أجل شراء طعام أو دفع إيجار مسكن ، تلك الحالات الإنسانية التي لا يتطرق إليها الروائيين بشكل قريب ظنا منهم إنها أشياء لا تهم القارىء بالضرورة أكثر من الحديث عن قدرته الكبيرة في سرعة الرسم وبيع اللوحات بأثمان باهظة .
فما ظنك بفنان يقف أمامك بملابس رثة متهالكة وحال بائس يشبه المتسول ، كل همه أن يطعم صغيره ، وغير مدرك يقينا أن لديه قدرة وموهبة يقدمها وسوف تعمل على فتح طريق جديد للإبداع وتلهم الكثير من المبدعين لتقليد أسلوبه ، وهذا الذي حدث فعلا مع بطلة قصتنا ، ومن اللقطات الأولى للفيلم وتلك الشابة تجمع أغراضها في عجالة وتصطحبت ابنتها في رحلة بالسيارة تشق بها الطرق وتدفعك لمتابعة احداث جرت في وقت سابق عن يومنا هذا ، هل ظنت حقا الرسامة مارجريت كين عندما تركت منزلها أنها هربت من الظلام إلى الضوء؟
في تاريخ الفن هناك قصص غريبة تحصل، لكن قصة "العيون الكبيرة" هي من أغرب القصص التي يجب أن نتعلم منها ، بل والتي حتما سنتعلم منها الدرس الذي لا يمكن أن ننساه طوال حياتنا ألا ننساق وراء الكذب من أجل المال ، وإذا كان الفن يخلق عالم أكثر إنسانية فما ذلك الذي نراه بشكل يومي من إجحاف وظلم وتحقير للمبدعين ؟
تقابلت مرجريت مع ولتر كين كما تلتقي قناتين أو تفريعتين ليصبا في نهر ، هكذا ظنت هي في بدايات الهيام والملاطفة ، وبدايات أيام الزواج الأولى وصدقه ومحبته ولكننا لا ندرك على وجه اليقين هل أوحى إليها أن هذا المصب أو النهر لايمكن أن يحمل اسمين ولذلك يجب أن يكون اسم كين وسيلتها وعلامتها الفارقة وحضورها في عالم الفن والذي وصلنا من معرفة في هذا الجزء أنه قال لها أن المرأة لا تبيع أعمالها هكذا وإنما تعطي توكيلا لشخص يبيع لها وكان هو ذاك الشخص  .. كانت مارجريت توقع على لوحاتها (كين)
يوم أن عرض عليها الزواج كأنه يبث في روحها الحياة ونجحا كل من المخرج ونجم الفيلم في تجسيد صورته الباهتة  والضياع الذي كان يعيشه وعدم التوفيق في بيع أي من لوحاته التقليدية وعتيقة الطراز ، ثم تلك المضاربة التي تمت بالبار وكتب عنها صحفي تبنى بناء شهرته حتى أصبح هذا البار معرضا دائما له في الصالة الرابطة بين صالة البار ودورات المياه ، وهنا تكتشف مرجريت كذبته الكبيرة وادعاؤه بانه الفنان الذي قام برسم اللوحات لقطة من اروع لقطات الفيلم ابدعتها ايمي آدمز التي جسدت لحظة الشعور بالمرارة بأن زوجها والتر لا يكذب عليها فقط ويدعي أنه يرسم لوحاتها أنما يحاول أن ينزع منها روحها التي اختلطت مع الوانها 
وإن كانت مارجريت قد تأثرت بمن سبقوها من كبار الفنانين إلا أن أسلوبها قد أثر في فنانين أمثال eve, lee , gig , maio , ozz franca , lgor pantuhoff وكذلك عمل من وحي رسوماتها little miss no name dolls
 الفيلم من بطولة إيمي آدمز وكرستوفر فلتز وداني هيوستن وكريستين ريتر وجيسن شوارتزمن ، يقول المخرج تيم بيرتون:“إنه مثل فيلم رعب غريب هناك قصة حب وكوميديا وعلاقة زوجية. شعرت أنه يمكنني الربط بين كل هذه الأشياء.” الممثلة إيمي آدامز تألقت بدورها في تقمص شخصية الرسامة مارغريت كين، مبدعة لوحات العيون الكبيرة، والتي تعرفت إليها عن قرب.
تقول عنها :“إنها انسانة هادئة جدا، خلال لقائي بها حصلت على إجابات لأسئلتي العديدة، أتمنى حقا أن أكون قد نجحت في تقديم شخصيتها
كما تحدث بهذا الخصوص كريستوف والتز الذي تقمص شخصية ـ والتر كين ـ بهذا الخصوص:“لم أكن أعرف شيئا عن القصة ولم أكن مطلعا على الاحتيال الفني أو عن اللوحات، كنت أعرف هذه الصور من خلال البطاقات البريدية وأتذكر الحيرة التي تنتابني وأنا أشاهدها، لأنها غريبة نوعا ما، ليس في مستوى العيون الكبيرة فحسب، ولكن أيضا لكبر حجم الرؤوس مقارنة بالأجسام إضافة إلى خلفيات اللوحات الغامضة.”
وتم إنتاج الفيلم بــتكلفة ١٠ مليون دولار ولكنه حقق أرباح ٢٠٫٩ مليون دولار .وهو فيلم مستوحى من قصة حقيقية بطلها الرسام والتر كين ، الذي عرف نجاحا كبيرا في خمسينات القرن الماضي بفضل مجموعة من اللوحات الغامضة التي اطلق عليهاعيون كبيرة
لكن العالم يكتشف فيما بعد أن زوجته مارغريت كين من مواليد ١٩٢٧م والتي تطلقت منه عام ١٩٦٥م ، قد رفعت قضية بعد الطلاق بخمس سنوات وأعلنت أنها هي من رسمتها فيلتقيا عام ١٩٨٦م في المحكمة ويطلب القاضي لكل منهما أن يرسم أمام المحلفين ، فأدعى أن كتفه مصاب في الوقت الذي اتمت هي اللوحة في وقت قصير أقل من ساعة ودموعها تختلط بالألوان ، واثبتت حقها ، فتنال شهرة العالم ويخبو نجم ـ والتر كين ـ  بالإضافة إلى المطالبة بتعويض مالي قدرة أربعة ملايين دولار.
بطريقة محترمة ودقيقة يعرضفيلمعيون كبيرة  في قاعات السينما الأمريكية بمدينة نيويورك بالتزامن مع الإحتفال بأعياد الميلاد عام ٢٠١٤م، فيما تمت عروضه الأوروبية فيما بعد.
..................................................................
المقال منشور في عدد ربيع الأول لهذا العام ١٤٤٠هـ بالمجلة العربية