الجمعة، 22 ديسمبر 2017

مدينة الموت الجميل


مدينة الموت الجميل
لوحات ملونة بصياغة سردية

 راضي جودة

« من يجعل ، وهو يرحل ، أو يموت ، أهله يذكرونه ويستمرون على الإحساس بأنه يعيش معهم ، لا يكون قد رحل نهائيا ، لا يكون مات تماما »
                                              استورياس *
ذلك كان مدخل المجموعة القصصية التي ضمها كتاب ـ مدينة الموت الجميل ـ للأديب سعيد الكفراوي *
صورة من صور الحياة والموت والماضي والحاضر في المجموعة التي مضى على نشرها اكثر من ثلاثة عقود ومازالت تتمتع بطزاجة ودقة الوصف في لوحات حياتية يومية ملونة ، وأخرى متخيلة اسطورية غائصة في الرمز ، للدرجة التي تصورت للحظات انني لا اعيش مع الأديب القاص سعيد الكفراوي بل الفنان التشكيلي الكفراوي في معرض مكتظ باللوحات والمجسمات والألوان البديعة التي حملتها الحروف من سرد وصفي عجيب .
في قصة (لابورصا نوفا) ومن الأحرف الأولى وانت تسير في طرقات تعج بالصور والأشخاص يرسمها باحترافية منذ اللحظة التي اصطحب فيها والد الطفل .. الشاب .. الرجل ، الذي عمده ابوه ثلاث في بحر النيل ليذهب به إلى المولد ويرسم على صدره وذراعه وشما للسيف وللأسد ويوثق اسمه ومكان ولادته وسكنه باللون الأخضر ، أنت تعيش مع كل كلمة وكل حرف في صورة من الصور ووصف لمشهد .. الطريق .. السينما .. البنت التي ربما احبها قبل ان يأتي للحياة ثم يقلب صفحات كتب التاريخ ينزع صورها ليفردها أمامك شارحا لك أدق التفاصيل التي اعتنى الرسام والمصور ان تكون خافية داخل المشهد حتى يأتي اليوم الذي تفضح خفاياها عين مبصرة ذات دربة عالية في كشف ماوراء الستائر المسدلة على فعل فاحش فاضح أو عين زاغت عن استكمال رسم الأعين المعصوبة ، الأعين التي تتنكر للأسماء وللأشخاص وللصور . 
أما خلال (الجمعة اليتيمة) فإن الصهيل أيقظه ليشهد ما يدور هناك خلال الأقبية الأيوبية والأصوات ..  واندفاع الريح يعبث بالمكان ويخطط ملامح التاريخ .. تماما كما أيقظتني كلمات السرد كي ارسم صورا ولوحات خارج تلك الكتابة لأشاهده وهو يحاول ان يمد قدميه خلال النافذة الحديدية ويمد إرادته خارج فتحة الباب حيث المصباح الأعور ، وهو يتذكر ذلك الحامل الحديدي النافذ في الجدار الخلفي ويبدو له كمشنقة .. فيما تخمش اسفل قدميه مخالب قط مذعور وجائع يرى جسدا يتدلى من الحبل قد يصبح وليمة جيدة ، والمصباح الأعور يتنفس ظلالا شاحبة ميتة ، وصوتا داخله يسأل : لماذا هي جمعة يتيمة ياجدتي ؟ ولماذا لم تعثري على قبر جدي ، ولماذا الرجال الذين يذهبون لا يعودون ؟.
هو الــــ (قمر معلق فوق الماء) عندما انتهى عبد المولى طفل التسع سنوات من ري النخيل بعدما اتسخت قدماه بالطين والتراب وابتلت معها ثيابه ، راح يهرول ملبيا نداء امه التي اخبرته أن عمه جاء ليأخذه معه إلى بيته ، ولم تنس ان توصيه بالطاعة لهذا العم الذي يمنحهم ظله وبعض القروش ، في عجالة جمع اغراضه في صرة القماش وكان عليه ان يبتعد حتى لا يصله بكاء امه التي تودعه وعند حافة الماء اجتاز إلى الحافة الأخرى .. لم يكن الانتقال والعبور من حافة لحافة لنفس النهر وانما عبور من القرية الوادعة إلى المدينة الهادرة بصخب الناس ولعب الأولاد بطائرات الورق في يوم الإجازة ، المدينة التي كان يتعرف عليها من خلال نبيلة وهو يسير إلى جوارها وكفه بكفها ، ومشاعره الجياشة تدق بقلبه الصغير، تعلم على يديها الحب والغيرة وعندما شاهد ظل الانسحاب للحبيب الأول ، القم نوافذها حجر تلو الحجر وتناثر الزجاج على اجتماع الناس وقرار عمه أن يعود من حيث أتى ويودع الشارع ، ونافورة المياة ، ومسجد المتولي ، وكنيسة (الآباء القديسين) وشعر بان هذا محزن جدا فشرع بالبكاء ، في الليل وهو يعبر النهر للحافة الأخرى وجد نفسه معلقا فوق الماء ، كان هو القمر .
عبد المولى لم ينسحب تماما من قصص الكفراوي بعدما حصل ما حصل من تحطيم زجاج واجهة باب شقة نبيلة بل يتواصل مع رسم الطريق إلى ـ الكُتَاب ـ الذي تأخر عن الذهاب إليه وهو الذي اعتاد يصاحب انيسة في نفس الطريق لانها لا تتعرف على الأشياء إلا بقلبها وإحساسها ، وكانت تسأله إن كان اتم حفظ (الأعراف) كان ينفلت من السؤال بكلام عن الشمس الساطعة والوان الأشياء من حوله ، ولكنها ترده لنفس السؤال اتل يا عبد المولى سورة الأعراف .. لم تحفظ ، لقد تأخر عن الكتاب وعن انيسة التي اصطحبها الواد احمد ، مجموعة الاحباطات والارتباكات يصفها القاص باقتدار ، يرسم لوحة لعبد المولى وحيدا في الليل وانيسة تتحسس خطوات متعثرة تتلمس حائط الزقاق المسدود بالعفاريت ، تنتظم الضربات الآتية من اليد الغليظة لسيدنا فوق المقيد بالفلكة لانه لم يحفظ سورة (الأعراف) .. ، وهو يئن ولا يقوى على الصراخ وتلاميذ الكتاب ينهنهون وتتساقط دموعهم فوق صفحات المصاحف الصفراء .
في قصة (صندوق الدنيا) الطفل علي الذي ينتظر وصول عم أيوب وصندوقه الخشبي الساحر حاوي الحكايات الذي سوف يأتي بالصبايا والأميرات وسيدنا الخضر والرجل الخفي ، (علي) الذي ينتظر العم أيوب عند الجسر الصغير الذي تمر من تحته المياة ينتظر أن يرى الراية التي تعلو الصندوق الذي يحمله الرجل ، ينتظر حتى عتمة الليل ، لا تفارق مخيلته صور الصندوق وحكاياته التي تتجسد امامه وهو ينتظر حتى يأتيه صوته من بعيد صوت أيوب أو الرجل المجهول عد لبيتكم يا علي الليل اوشك على الهبوط .
(الجواد للصبي .. الجواد للموت) صورتين هامتين في حياة كل المخلوقات ، لحظة الميلاد ولحظة الوفاة ، والولد الصبي الصغير الذي لاحظ انين الشهباء وهي في المخاض وقد برز ظلفان اخذ يصرخ طلبا للمساعدة ، وامسك بالظلفان واستمر في المساعدة حتى ظهر المهر المولود الذي اصبح ملكا له وسماه عنتر ويختلط الولد مع المهر الوليد ويرضع كل منهما من لبن المهرة الشهباء ، ويغدو المهر بعد زمن مركز الحياة في القرية يمتطيه الولد بعد ان ينام الناس وتدق حوافره الأرض ويشارك به افراح والعاب الصبية مما جعل اهل الحسد يحقدون عليه منهم الشيخ راغب الصفطاوي فاتح المندل وقارىء الكف الذي راح يصيح بين الناس : أقطع ذراعي ان لم يكن المهر والولد من نسل الشياطين ، والعجوز التي تكنس العتب وتتلو الطلاسم وتدفن الأعمال في فتحات المقابر تدعو ان يدهس الولد حوافر فرسه ، وان يدفن الفرس من بعد جيفة .
عنوان الكتاب قصة (مدينة الموت الجميل) من أجل لوحة دخل إلى الملحق الذي يختبىء خلف بابه زمن محبوس بكل تفاصيله القديمة ولكن اللوحة ـ البنت .. والسفينة .. والنورس ـ مد يده وانزل اللوحة ، وبعدما خرج للحديقة التقى بالسيدة المتشحة بالسواد والتي كانت تتأكد من أنه نفس العنوان ( مدينة الموت الجميل .. شارع البحر .. فيلا النورس ) نفس العنوان ونفس السحب والوجه الشاحب ، اغلق البوابة وعاد لمكتبه حدق في اللوحة سمة بعض الكلمات اسفل اللوحة للمعنى الوحيد المستحيل .. مدينة الموت الجميل .. ارتج جرى ناحية النافذة يبحث عن المرأة ، لكنه لم يجد سوى البحر .
(خط الاستواء) بينما كانت الجرافات الثلجية ترفع الجثث الممتدة على طول الطريق وتثير الفزع ، كان هو يركز النظر بإتجاه الزجاج الملون بالساحة المقابلة وظل الجدار المائل ليظهر المكتب المضاء نهارا ، وقبة المسجد القديم ، ورجل بدون ملابسه الرسمية وصلعته تلمع تحت الشمس ، هناك رجال يجلسون بنفس المكان يجمعون ذكرياتهم ويوزعونها بينهم .
ثنائية أخرى مع قصة (الصبي فوق الجسر) حيث يتجسد الماضي والحاضر في شكل طائر ، وهو يقف عند رأس الجسر حيث سبيل الماء المملوكي بالوانه التي مازالت زاهية وحوله كتابات متهالكة وغير مفهومة ، مياهه باردة تروي عطش أهل الطريق .. بجوار كشك عسكري الدورية والذي لا يأتي إلا مع الليل ، صف كافور وصف توت وظلال ، هو وحده فوق الجسر تتعلق عيناه بفضاء الله الواسع ، وتدور رأسه في الظهر الأحمر ، كانت عيناه في أعالي الشجر وفوق أبراج الحمام وأحواض الزراعة .. كان الطائر يحلق في السماء مبتعدا وكان يحدق فيما يرى ولا يفهم شيئا .
(حضر الموت) تلعب الطقوس هنا دورا حيويا للمشهد بين الموت من الحياة والموت من انتظار حبيب غائب ، ورغم الإشارة في بداية القصة .. « لا تفتح الباب للريح .. دعها لا تأتي » لكن الريح آتية بعد ان قالت البنت لأمها : خذيني إلى النهر ، قرأ عم عمران صفحات الكتاب ( حضر موت ) الوطن .. عدن الجنة .. عيناها مفتوحة ترى ولا ترى ، وعند التخوم البعيدة .. يجثم القصر السيدة والعبد والسلطان .. الست ـ زينب الطاهرة ـ تطرق الباب بلا إذن .. وجهها أبيض .. ثوبها أبيض على كفها دستة شموع ملونة تضوي الوانها مع الظلمة الزاحفة ، الأم ترقب العينين اللتين يزحف على سوادهما البياض .. صرخت الأم بينما يد البنت قد استراحت بجانبها ، في اللحظة ذاتها علا صوت العم عمران من فوق مئذنة الجامع يدعوا الخلائق للصلاة .
(العشاء الأخير) لم يحضر هنا دافنشي بل يحضر الماضي في حاضر يعيشه الولد الذي أصبح شابا ، ورغم أنه يعيش في الحاضر إلا أن الماضي لا يفارقه ، كل هذا الزمان قد انقضى وكأنه كبر الف عام ، يرى أذرعا من زمن مضى ووجوها امتلأت بالأسى والحنين .. خاف وحده وكأنما العتمة أبدية تسيطر ولا يهددها ضوء النار ، وهو يخطوا نازلا منحدرات غير مواتية للحلم .. هل يعود ما مضى .. يسير رفقاء الطريق حيث رائحة زهرات البرتقال ، في ظل الشجر والحيوان تفتح المناديل المربعة على خبزات ناشفة تنكسر مع أصوات الرجال ، (سلامة) !!  ـ أنا سعيد يا عم ، سعيد ابن سلامة .. أخيرا عدت .
وهكذا مررنا بمعرض تشكيلي متكامل الصور والشخوص والرموز .. متعدد الزوايا وما بين سطوع الشمس المبهر إلى الليل واسراره ، وكذلك الطفل الذي يكبر والقرية والجسر والأشجار والطائر وانيسة والشيخ وجمهور الرجال وصور صندوق الدنيا ، والفرس الشهباء ووليدها عنتر الذي شغل الناس واشغلهم ، لقد أجاد القاص في تكوين صور ولوحات غاية في الجمال لعلها تكون مشروع عمل فني تشكيلي لأحد الزملاء ، ودعوة أن نحاول اكتشاف القصص والروايات من منظور الحوار البصري .
…………………………………………………………………………………………………………………….
* ( ميغل أنخل استورياس اديب وشاعر وصحفي ودبلوماسي غواتيمالي ، حاصل على جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٦٧م ).
* سعيد الكفراوي قاص مصري ينتمي لجيل الستينات تقتصر اعماله الأدبية على القصص القصيرة من مواليد ١٩٣٩م بقرية كفر حجازي بمحافظة الغربية ، من اعماله ( مدينة الموت الجميل ١٩٨٥م ، ستر العورة ١٩٨٩م ، سدرة المنتهى ١٩٩٠م ، مجرى العيون ١٩٩٤م ، دوائر من حنين ١٩٩٧م ، كشك الموسيقى ، يا قلب من يشتريك ، البغدادية .. ثم زبيدة والوحش ٢٠١٥م  ـ مختارات قصصية صدرت عن الدار المصرية اللبنانية ، وتضم ستة من مجموعاته القصصية ـ ) .

* غلاف الكتاب والرسومات الداخلية للفنان سعد عبد الوهاب .



الخميس، 21 ديسمبر 2017

مجلة الفنون الشعبية

في افتتاحية الدكتور محمد عبد القادر حاتم وهو يدشن العدد الأول من مجلة (الفنون الشعبية) تقرأ لغة قد لا يعلم بها أبناء هذا الجيل ، ومن ضمن النص تجده يقول :(مرفق الثقافة) وليست هيئة الثقافة أو مؤسسة الثقافة وربما وزارتها ، فتعرف من سياق النص الحقبة الشيوعية بكل تفاصيل الخطاب الثقافي والإعلامي التي تنظر للهيئات والمنظمات بأنها مرافق حيوية هي ملك للشعب ومشاعة لكل الناس على السواء ، ثم يبرزون الدور الحيوي للفنون الشعبية التي هي عصب حياة المجموع ، وتناول أيضا التقديم لهذه المطبوعة الفريدة بالقول : « أنه يقدم مجلة الفنون الشعبية للعرب في كل مكان مدللا على أنها استجابة وانعكاس لنبض المجتمع العربي الإشتراكي ».
ويسير معه بنفس النهج وبالسياق ذاته الدكتور عبد الحميد يونس بقوله : ليست العناية بالمأثورات الشعبية العربية جديدة على الفكر العربي .. وهو بذلك يقدم خطاب جمعي على مستوى الوطن العربي .. وبسعر لا يتجاوز العشر قروش فيم يدلل على دعم الدولة لهذا ـ المرفق ـ الحيوي .
والمجلة وأعدادها الكثيرة تعتبر موسوعة ثقافية وفنية كبيرة ومرجع مهم لمن يهتم بدراسة الفنون عامة والفنون الشعبية بشكل خاص اتمنى ان تبحثوا عنها وتعيدوا لها روح البهجة والحضور من جديد



العدد الأول من مجلة الفنون الشعبية أول يناير ١٩٦٥م

الأحد، 17 ديسمبر 2017

سيرة مكان غير موجود ..

تم نشر المقال بالمجلة العربية بالعدد ٤٩٥

ليس للرحيل مواسم وجع




راضي جودة


الرحيل هو عنوان كبير للفقد حينما تتأجج المشاعر والذكريات وتحاول ان تمسك بلحظة تنفلت من العمر والمكان والإنسان ، لحظات وداع ، قد تتلون بالسفر أو الموت ، مشاعر يعيشها الإنسان وقد تتعاظم داخل نفسه في حالة من الهم والغم لا تختار لها وقتا .. وليست له مواسم .
والمهندسة سارة زهير .. فنانة مصرية شابة تشبثت بالكاميرا لتسطر بلقطاتها لحظات حياتية ، ومحطات مهمة تصادفها بشكل يومي وهي في طريقها للدراسة والعمل وقليلا من التنزه .
سارة زهير اقامت معرضها الفوتوغرافي الأول بتياتروا اسكندرية في سبتمبر الماضي .. لم تترك لنا مجالا للسؤال عن اختيار « الرحيل » عنوان أول معرض في بداية المسيرة الفنية حيث قدمت لنا قصاصة تشرح فكرتها عن الرحيل .

الرحيل
مراسل الرحيل .. أوقات ثقيلة تمر .. لحظات أو أعوام كاملة ترتبط بفراق شخص ما أو تودع مكان ما ..  تفاصيل تحمل في طياتها نوع من انواع القداسة لحظة الرحيل وكثير من الخوف والاشياق معا ، ورغبة كبيرة في الاحتفاظ بالقدر الأكبر من التفاصيل الصغيرة في الذاكرة .. ذاكرة قوية في البداية ثم تضعف مع مرور الوقت .
المكان .. الطابية .. معمار مميز يختفي من مدينتنا في زمن عشوائي مادي لا يهتم كثيرا بالقيم التاريخية للأماكن وجمالها ، هدم المكان كله بعد تهجير سكانه .. لم يبق من المكان الآن إلا سور عالي جديد يحجب البحر ، وبعض الصور والحكايات التي يرويها أهل الطابية ، رأيتهم وهم يبكون الطابية كأنها شخص عزيز يموت أمام أعينهم .
الموت .. وكأن الصمت المطبق وراءه أصوات تحكي قصص تقرأها على شواهد القبور ..  قصص تحكي عن سكانيهافي كل مكان اسماء لأشخاص رحلوا .. حروف من ذهب وورد وإهداءات وصناديق نذور ، ورسائل كثيرة للموتى هنا وهناك كأنهم أحياء يسافرون سفر طويل ولكنهم سيعودون يوما ما .
السفر .. طريق موحش .. مجبرا ان تسيره وحدك وان تفارق المكان الذي طالما اعتدته .. قد يكون السفر طويل أو قصير ، مؤقت أو دائم ولكنه يحرك بداخلك احساس بالشجن ، يظهر بوضوح في عيون المسافرين عبر النوافذ ، وفي محطات الإنتظار وصالات المودعين .
الوداع .. هل ودعت نفسك من قبل ، عندما لا تكون انت انت ، موجود ولكن روحك غائبة ، انت لا تعلم متى رحلت ومتى ستعود ، وقد لا يشعر بك أحد قط .. كأنك طيف .. يتساوى غيابك وحضورك .. لا يشعر بك أحد 

سارة زهير 
سبتمبر ٢٠١٧ م

زرت معرض رحيل الفوتوغرافي وادهشتني الموضوعات وغرابة المكان وطريقة العرض والتقيت سارة ورغم ازدحام المكان باصدقائها ومتابعي لقطاتها دار بيننا هذا الحوار الذي تقول فيه :
بداية محبتي للتصوير نابعة من والدتي عندما كنت صغيرة كنت اراها تحمل الكاميرا ، ومسؤولة العيلة للتصوير ... وكنت اذهب معاها نشتري الأفلام ونحمضها ونستلم الأفلام والصور... الكاميرا الخاصة بوالدتي لها وضع خاص غير مسموح بالاقتراب منها أو العبث بها أو لمسها ، فساعدتني بشراء كاميرا صغيرة خاصتي كنت اصور بها الأصدقاء في المدرسة ، ثم تطور الأمر واصبحت أملك كاميرا ديجيتال ... من أجل الرحلات... الحقيقة أنني لم أفكر في حياتي أن أصبح مصورة احترافية بمعنى اني اشترك في معارض ومسابقات .
بدأت التصوير الاحترافي في عام ٢٠١١مدرست وتدربت وصورت وكان رابع معرض اشترك فيه كان في ألمانيا وده اللي شجعني اني استمر لحد النهاردة... ممارسة هواية التصوير بشكل احترافي .
وتكمل : التصوير الفوتوغرافي مرتبط بالزمن... الصورة هي إيقاف اللحظة لنحتفظ بها للأبد... يعني مثلا الصور القديمة للاسكندرية تظهر لنا شكل الشوارع والميادين والمباني والناس.... وهذا شئ مهم جدا... والصورة بتختصر كتابات كتيرة ممكن تتكلم عن ذلك الزمن .
وسألتها إن كانت تخشى المنافسة ؟ 
أجابت : انا عموما أخشى المنافسة... وسقف طموحي هو عمل معارض فردية على مستوى العالم... والعمل على مشروع توثيقي بالصور أو الفيديو أن امكن.
قصة مع المعرض  بدأت من الطابية... انا اقيم في بحري شمال غرب الشاطيء السكندري في نفس المنطقة الموازيةكنت اسمع عن منطقة الطابية منذ زمن من صديقتي التي كانت احد سكان المنطقةكان أتوبيس المدرسة ينزلها في مكان قريب من القلعة... واصبح عندي لبس ان الطابية هي القلعة وأغبطها على حظها وكيف تعيش داخل قلعة محصنة مثل التي نراها هنا .
كانت الطابية اكتشاف بالنسبة ومكان يسعدني زيارته مصطحبة للكاميرا حتى ولو لم التقط صورة واحدة ، لكن الزيارة نفسها والمكان يسعدني وأنا أجلس أمام البحركنت اتحرك في المكان واسمع من سكانها أنهم مهددون بالرحيل من المكانوقد يغادروا بيوتهم في أي لحظة... لأجل إزالة الطابية.... وعند زياراتي المتتالية أجد أن عدد الناس أقل من السابق لكن المباني والبحر موجودين... بقيت على تلك الحالة فترة من الزمن وليس عندي صور مهمة للطابية حتى قررت في أحد أيام شهرأبريل عام ٢٠١٦ القيام بعدد من الصور لتوثيق الطابية...  ... أول دخول لي بصحبة الكاميرا تجمع هذا العدد القليل من الناس حولي ... على اساس اني صحفية واساعدهم... انهم كانوا ١١٤ أسرة اقنعوا ١٠٠ أسرة بالرحيل ولم يبق غير ١٤ أسرة هم من يقاوم فكرة النزوح .. واستمروا بصحبتي يسردون الحكايات عن المكان ، وأن الفنان فريد شوقي جاء إلى هنا لتصوير فيلم ـ رصيف نمرة ٥ ـ وانهم كلهم معروفين بعضهم للبعض وأحيانا يقيموا سهرات جماعية ليستمعوا للست أم كلثوم ... انا الحقيقة تكونت لدى ذكريات كتيرة ومؤثرة عن المكان وحاولت اصور صور عامة للمكان بقدر المستطاعو٩٠٪ من صور المعرض تم تصويرها في ذات اليوم ... وكنت أبكي مع كل صورة أقوم بتصويرها من شدة إحساسي بأني لن أرى هذا المكان من جديد
وظللت التقط الصور هنا وهناك حتى نالني التعب كما أن الشمس قد غربت وليس بالمكان إضاءة كافية ... وتقدم مني شاب اتعرفت عليه قال لي "لا يوجد لدينا كهرباء ولا ماء منذ اكتر من ٣ ايام ... تعالي غدا لأننا خلاص سوف نغادروعندما تأتين في الغد سوف أصعد معك لمكان مرتفع تشاهدي منه المكان في مجمله .
الحقيقة اني كنت مرهقة جدا نفسيا وجسديا ولم استطيع الذهاب إلي المكان في اليوم التالي وسافرت يوم الجمعة... في يوم الأحد وجدت على الفيسبوك خبر..." الحقونا الطابية بتتهد دلوقتي" وشاهدتمن خلال الصور البلدوزر والمعدات تعمل للهدم ... أنا رجعت من السفر يوم الاتنين من المحطة إلى الطابية مباشرةوهذا كان أبشع مشهد وقد تحول المكان لأكوام من الحجارة كاننا في حرب... انا كنت واقفه قدامها مش قادرة اتحرك وكل اللي كنت بفكر فيه الندم على كل الصورالتي لم اسعى لتصويرهاوتذكرت كل الكلام والناس وذكرياتهم اللي ضاعت وسط الركام 
بعد عدة أشهر حاولت اقامة معرض في من مكان عن الطابية... ورحيل المكان... الناس رفضت
يأست قليلاوبعدها وجدت الفكرة تتكون من نفسهاتوجهت إلى المقابر وصورت... سافرت القاهرة وصورت... فمن هنا ظهرت فكرة الرحيل حتى صور رحيل الذات .
وحاليا الطابية ليس لها وجود وتم بناء سورعالي جدا لدرجة انك لا تستطيع رؤية البحر
واحتفظت بصوري الأخيرة للطابية بعد الهدم لم اعرضها في المعرض لأنها صور مؤلمة للغاية.
تركتها تلتقط الانفاس ، وسألتها عن دراستها للهندسة فقالت :
 الهندسة بالنسبة لي هو مجال دراسة وعمل اما التصوير الفوتوغرافي هو هواية... التصوير كما الرسم...  وسيلة تعبير كما الكتابة والشعر...  وانا كنت أحب جدا الرسم و التصوير وانا صغيرة... كل الناس بتشوف التصوير الفوتوغرافي فن... انا بشوف انه فن وذكاء.... ذكاء انك تخللي المتفرج يشوف حكاية في كادر ثابت... ودي اكتر حاجة بحاول احققها في التصوير، رحيل الإنسان مرتبط بالاقدار... ولا يوجد انسان خالدلكن خلود البشر من سيرتهم والحكايات عنهم  ... الأماكن دائما ما تحمل بين جوانبها حكايات... فقد تمر من مكان مر به شخص من مئات أو آلاف السنين.... آثار الناس في كل مكان عبر الأزمنة تنتقل معهم حكايتهم مع مرور الوقت
اما برحيل المكان .. تختفي آثار من عاشوا فيه ويتناسي الناس قصصهم... فالمكان هو شاهد على حيوات لم نعيشها .
وأما عن هموم الحالة الفنية والمشهد الثقافي عامة تقول سارة :
الجمعيات والمؤسسات والمراكز الثقافية لها دور كبير في نشر الفنون المختلفة وإتاحة الفرصة للفنانين بعرض أعمالهم.... ومن حسن الحظ أن اسكندرية بها العديد من المراكز المختلفة الداعمة جدا لنشر الثقافات... من توفير قاعات للعرض... قد تكون هناك مشكلة في الدعم المادي ولكن أتفهم هذه المشكلة لأنها عامة وليست لها حل في الوقت الحالي
 حاليا المنتشر أكثر الانتقاد أو بمعنى أوقع الانتقاص وإحباط المحاولات واقتصار الفن على مجموعة من الفنانين المعروفين. .. هذا بوجه عام وغير مقتصر على الفن فقط... انا احب النقد البناء الذي يساعد على التطوير إلى الافضل
وفي مجال التصوير الفوتوغرافي أتواصل دائما مع المتخصصين إلى تقييم أعمالي لاني أسعى إلى الأفضل وتعلم المزيد من الخبرات...
بالطبع المعارض أسهمت بشكل كبير في زيادة الوعي الفني عند الأفراد وخصوصا في مجال الفوتوغرافيا... وقد ساعدت أيضا مواقع التواصل الاجتماعي على انتشار الفنون وتعريف الأفراد بالمعارض والأنشطة المختلفة
في الماضي كان يقتصر احيانا الحضور على نوع معين من الفنانين والمثقفين ولكن الاحظ الان ان الدائرة في اتساع لتشمل مختلف المجالات والتخصصات..  واتمنى المزيد في المستقبل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


سارة زهير... مصورة سكندرية الميلاد والنشأة، درست الهندسة المدنية ولكن شغفها الأكبر كان هو التصوير الفوتوغرافي الذي سيقودها يوما ما الي الجنون (حسب قولها). بدأ الأمر حينما كانت في العاشرة من عمرها بكاميرا كوداك فيلم قديمة. ابهرتها الأزرار والعدسات والأفلام. منذ عام 2011، بدأ شغفها يأخذ مسارا احترافيا كمصورة حرة وقدمت العديد من الورش التدريبية في كل من مركز الجيزويت الثقافي ومدرسة الليسيه الفرنسية وفي نادي فيوفيندرز.
كما اشتركت في 36 معرضا بداخل مصر من تنظيم معهد جوته ومركز الدراسات السكندرية والمركز الثقافي الفرنسي بالإسكندرية ومركز الجيزويت الثقافي واتيليه الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية... الخ، هذا بالإضافة إلى ه معارض دولية في ألمانيا وتونس ورومانيا.
وقد حصلت على العديد من الجوائز عن أعمالها الفنية المعروضة محليا ودوليا. وقد أقامت اول معرض منفرد  لها في الإسكندرية تحت عنوان "الرحيل" في سبتمبر 2017، احتوى المعرض على 104 صورة.

لا ينصب اهتمام المصورة على المجسمات ولكنها تتبع قصة في مخيلتها واحساسا في قلبها؛ فاللحظات الثمينة تستحق أن نتذكرها .

الجمعة، 1 ديسمبر 2017

هونغ يي التي ترسم بالجوارب والقهوة واعواد الخشب

لعل الفنانة التجريبية هونج يي التي ولدت في ماليزيا وتربت واستقرت في شنغهاي .. هونج يي اي الحمراء باللغة الصينية مهندسة معمارية جذبها الفن ، وهي تمارس نشاطها وابتكارها وتجاربها التشكيلية في نهاية الأسبوع فقط ، بدأت بالتصوير الفوتوغرافي ومزجت الفن بالفكاهة حيث رسمت ببذور زهرة عباد الشمس والاعواد والخضروات والقهوة والجوارب ، وتطلب دوما من اهالي الحي التي تقطنه ان يساعدوها فيما تنتج من اعمال وهي تستخدم التقنيات الحديثة إلى جانب تجريب الخامات والمواد المتوفرة بين يديها .
ولعلها الفنانة الأكثر حيوية من حيث مطاردة الفكرة في كل مكان وبجميع الممكن من الخامات فهي تقدم اعمالها بالخضروات والفاكهة وبذور النباتات واعواد الخشب والشمع وكل ما هو يوظف لخدمة فكرتها وقد اكتسبت شهرة عالمية ويكتب عنها كل النقاد والمهتمين حتى كادت ان تكون ظاهرة ونحن نرى بين الحين والآخر بمن يرسم بالملح أو باكواب القهوة وإلى غير ذلك مما يعطي مؤشرا حيويا واستشرافيا على أن المتخيل في ظواهر الحياة هو فن في ذاته ولكن يبحث عمن يضع لمساته ويخرج جوهره .






وأفتتحت مؤخراً محلاً صغيراً  في شنغهاي مع فريق عملها لعرض وبيع اعمالها وهي لا تنتظر الفكرة وانما تبحث عن الابداع على الدوام، وتجده في جميع مظاهر الحياة. وتصنع بعض أعمالها الفنية من الخضروات والأزهار من خلال تثبيتها على الصحون وعمل تشكيلات فنية ساحرة ومعبرّة. وهي تؤمن بأن الحياة لا يمكن أن توجد بدون فن، فالعمل هو الفن، وكذلك المرح.

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

التجريد الأكثر شيوعا اليوم بين فناني المملكة

التجريد
النمط الفني التشكيلي 
الأكثر شيوعا اليوم بين فناني المملكة 

راضي جودة





عناوين جانبية مقترحة :
- حاول الرواد من الفنانين ايجاد مناخا جديدا للفن يصبح به عنصرا ماديا يدخل تفاصيل الحياة اليومية
- ميول الفنان إلى تجاوز النظرة المظهرية الساكنة في قالب التقليدية والاستعانة بأساليب ساهم في تطلعه لها  الاكتشافات العلمية والابتكارات الأدبية والاستعانة بالحاسب الآلي والأجهزة الذكية
ـ  ما يعرض في صالات العرض للفنون البصرية والمراكز الثقافية في معظم مناطق المملكة المختلفة نرى اتجاهات فنية معاصرة وتميل في أغلبها إلى الفن التجريدي بصفة عامة 


كان الموروث التراثي والإجتماعي هو الحافز الأول في بدايات تكوين الحراك التشكيلي السعودي على أيدي الرواد ، ثم تفرعت صنوف المعرفة ومنابع العلم الفني وتأثر الفنان السعودي بوجود بعض معلمي التربية الفنية من ابناء وطنهم وكذلك بعض المعلمين الوافدين من العراق ومصر وفلسطين وغيرها ، وطالما كانت هناك فرص للمعرفة فمن الصعب إهدارها ، وبالتالي يمكننا القول أن الفنان التشكيلي السعودي استفاد إستفادة بليغة بهذا التنوع والاختلاف في الرؤى ، غير أنه لم تحدث أي قطيعة بينه وبين مجتمعه .. ربما حاول البعض منهم ملامسه الانماط الحديثة وتتبعها غير ان الفترة الطويلة المصاحبة للعمل على توطين الشكل السعودي إذا صح التعبير والخبرات الفنية التي جعلتهم يخلقون مناخا للفن كي يصبح عنصرا ماديا يدخل تفاصيل الحياة بين رصد وتسجيل للبيئة من خلال عدة عناصر نذكر منها .
المدن ، والقرى والبادية والناس .. وكانت العمارة من الداخل أو الخارج هي الشيء اللافت في أعمال كل من صفية بنت زقر وعبد الجبار اليحيا وضياء عزيز وعلي الرزيزاء وطه صبان وحسن مداوي وابراهيم الجبر ومنيرة موصلي وعبد الناصر العمري وخالد العبدان وعلي الصفار وسمير الدهام
الأودية والنخيل والاشجار كما هي أعمال سعد العبيد وصديق كشاف وصالح النقيدان وعبد الله التمامي وصيدة صقران ومحمد الأعجم 
الدلة والفناجيل والحطب وشبة النار والشاهي والسيارات القديمة تميز بعملها معظم الفنانين والفنانات ممن شاركوا في فعاليات صالة الفنون بالمهرجان الوطني للثقافة والفنون بالجنادرية .
الزخرفة والخط والملابس والوشم والوسم والحلي والخيام والمفروشات عبد الله حماس وإبراهيم الفصام وناصر الموسى ومحمد العبد الكريم وفاطمة أبو قحاص وعبد الله نواوي ومنصور كردي
الحج وحركة القوافل والخيل والأبل ابراهيم البواردي وفهد النعيمة وناصر الضبيحي وهشام بنجابي وحنان الجعيدان
كما ان البعض قد تأثر بالاسلوب السريالي مثل عبد الحميد البقشي وصالح خطاب وهدى العمر سعيد 
وقد نجد بين فناني المملكة فنانون غرائبيون يعملون على الدهشة والإبتكار في أعمالهم التي يقف عندها النقاد بكثير من الترقب والمراقبة للقدرة على المواصلة والتطور للحالة وخلق مناخ إبداعي لما بعد الحداثة كما حدث مع الفنانين بكر شيخون وأحمد ماطر وعبد الناصر غارم وفيصل السمرة ورائدة عاشور، وهاشم سلطان وعبد الله المرزوق 

أما نمط التجريد الذي ينقل الأشياء من محيط واقعها وٕالعمل على اعادة صياغتها برٔاوية فنية جديدة تظهر خبرة الفنان وإحساسه  باللون والحركة والخيال.
الفن التجريدي نوع من ٔانواع فن القرن العشرين ينبذ الموضوع المحدد المعالم. يسمى الفن التجريدي ٔاحيانًا فن الا هدف.
أولا : اللوحة التجريدية ، عبارة عن قطعة تصويرية فحسب ، وما دامت تعكس حالة أو موضوع ما ، فٕانها تصبح هي ذاتها موضوعا ً، قيمته في بنأيه الداخلي وفي تنظيم عناصره وتماسك ٔاجزاءه .
والمناخ الإجتماعي الشعبي لدى الفنان السعودي وشعوره بالإعتزاز بإسلامه وإنه هو المصدر الأهم وراء اتجاهه إلى الفنون التجريدية التي تتكيف مع عقيدته ليشكل نتيجة فلسفية ذات خصوصية جمالية تتمثل في التجريدات القائمة على الألوان والزخارف والخطوط وبعض الأشكال الموحية ، يتجلى ذلك في أعمال في أعمال الفنان محمد الرباط الذي يجمع بين مفهوم فرادة الخط العربي وقدرته بالتشكيل التجريدي وبين اللون الحر الذي يوحي ولا يفصح ، وليس الرباط وحده من امسك واستمسك بالنمط التجريدي وإنما هناك مجموعة كبيرة وبما الغالبية من الفنانين والفنانات بالمملكة من انتهجوا ذلك وبما يمكن ان نقول عنه :
١ ـ تجريد تعبيري موحي .. عبد اللله الشيخ وعبد الرحمن السليمان حسين المحسن وشليمار شربتلي ووليد الرويبعة وعبد الله الأحمري وتغريد الجدعاني وفهد النعيمة وعبد الله البارقي وسعيد العمري 
٢ ـ تجريد هندسي .. يوسف جاها وبكر عبد السلام  ونجلاء السليم وحمزة با جودة وبدور السديري ووليد الطويرقي وحسن الغامدي وفهد خليف ونهار مرزوق وسعيد قمحاوي مهدي راجح

وثانياً : وكما أوضح ـ عفيف بهنسي ، جمالية الفن العربي ـ « لم يكن التفكير الهندسي بعيداً عن وعي الفنان العربي المسلم الذي عكف على دراسة التركيبات الهندسية كالمثلث والمربع وما شابهها وإعادة صياغتها بأنظمة تكوينية متناسقة معتمداً على الخط واللون كمادة أساسية في التصميم والآداء. كما انطلق الفنان العربي بتنويع هندسي للخط العربي الذي حمل في البداية أشكالاً هندسية وتطور فيها لتأخذ أشكالاً مختلفة بعضها أشكال منكسرة أو هندسية أو لينة ومتكسرة معاً » ، مما يثبت قدرة الفنان العربي على تجديد رسم الحروف والكلمات ويفسر مدى تحرره الذهني وحسه الروحي والجمالي الذي نلمسه فيما بلغت إليه الكتابة العربية إلى أعلى مراتب التجريد بلغة تشكيلية جديدة ومبتكرة في وقتنا المعاصر.
إذا تطلعنا في وقتنا الحالي على ما يعرض في صالات العرض للفنون البصرية والمراكز الثقافية في معظم مناطق المملكة المختلفة نرى اتجاهات فنية معاصرة وتميل في أغلبها إلى الفن التجريدي بصفة عامة باعتباره هو الفن الذي يشكل الذروة بعد مسار التجارب والبحث وصولا لجوهر الفن وان الجمال الثابت في المطلق هو جمال القدرة على التعبير الفكري الذي يحمله الفنان من إحساس والتوغل في جزء من أجزاءه أو ومضة لحظية عابرة أراد أن يستوقفها ويعلن عنها كالبحث عن السلام والمحبة أو لحظات غضب من جور وتعنت ، الفنان هنا ينقل بشكل شفيف حاله لحظية زمكانية عكس الصور الواقعية التي تفرض وجودها وقواعدها الشكلية وقيمها اللونية على الفنان الذي يكون في الغالب هو أداة التنفيذ وليس الفعل الداخلي الذي يريد أن يخرجه للناس في لحظة وجع أو بهجة .
  واهم مكونات فن التجريد هو المضمون الفكري والجمالي والأدائي، فمنذ مطلع القرن التاسع عشر حتى انبثاق منهج الرسم التجريدي في بداية القرن العشرين واجه الفن النمط الكلاسيكي المستند على قواعد وأسس صارمة وتقليدية مما تمخض عنه ظهور مدارس واتجاهات فنية معاصرة رافضة ومتمردة بشدة هذا النمط الذي فرض فرضاً على رغبات الفنان مما أدى إلى ظهور تيارات واتجاهات عديدة ومتلاحقة مثل المدرسة الطبيعية الرسم في الهواء الطلق، وتلتها الرومانسية والواقعية والتأثيرية والوحشية والتعبيرية والرمزية وصولاً إلى التكعيبية والسريالية الخ؛ ومن هذا المنطلق بدأ الفكر الجديد وميول الفنان إلى تجاوز النظرة المظهرية الساكنة في قالب التقليدية والاستعانة بأساليب ساهم في تطلعه لها الاكتشافات العلمية والابتكارات الأدبية والاستعانة بالحاسب الآلي والأجهزة الذكية كوسيلة للبحث والاستقصاء في الخواص الإنسانية والجوهرية للظواهر الكونية ومن هنا نتوقف عند مجسمات الثقفي وطلال الطخيس ، وابتكارات زمان جاسم ونشاط وليد الرويبعة وتعبيرات عبد الله نواوي وعبد الله الأحمري ونهار مرزوق كما الدهشة التي تظهر في أعمال احمد حسين وبكر شيخون أجد أن فن التجريد قد تحول إلى ظاهرة فنية شكلت الحراك والفعل الفني التشكيلي السعودي مما يتعذر معه حصر كل الأسماء والتجارب في هذه العجالة . .
 وأختم تلك الرؤية بالمسار والمناخ الذي خلقته اللوحة الفنية في حركة الإقتناء وتسعير الفن ومناطق المنافسة والمعارض وورش التدريب ومعظم الأنشطة القائمة اليوم على النمط التجريدي ، ورغم أن بعض المتذوقين قد يصعب عليهم قراءة اللوحة التجريدية إلا أننا نجد ميول أغلبهم إلى اقتنائها لأنها تومئ بألوانها وتكوينها غير الملموس إلى أحاسيس ورؤى عاطفية أو واقعية أو خيالية فهي تنقل الصلة الحميمة بين شعور الفنان بالحزن والفرح ولوحته التي يصل كيانها المستقل في ذاتها كعمل إبداعي ذات غاية كامنة منفردة للمشاهد.




الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017

تقاسيم شاهر تفتتح نشاط روافد







تقاسيم شاهر تفتتح نشاط روافد
إطلالة على المعرض السابع للفنان عبد الله شاهر بالرياض


راضي جودة

ستون عملا تشكيليا في معرضه الشخصي السابع ( تقاسيم ) للفنان عبد الله شاهر يصافح بها وجه الرياض مع أول إعلان عن افتتاح صالة روافد للفنون بمعرض يحمل معه عبق الجنوب ، وعودة نشاط الفنان بعد انقطاع عن الفعل التشكيلي اللهم إلا المشاركة بأنشطة منطقة عسير بالجنادرية ، وقد اكتظت القاعة بالحضور من الفنانين والفنانات وبالمتابعين ولكني كنت اتأمل تلك المساحات الخضراء التي اكتست بها لوحات تبعث البهجة والفرح بتكوينات رباعية منفصلة في اللوحة ومتصلة في الموضوع وباشكال والوان تأخذك لبرهة من ذاتك وكينونتك إلى ذات المكان الذي جذب الفنان لينقله لنا وقد سيطر على أفكاره ، وسجل لحظات التسامي والتماهي مع مكوناته ومكنوناته ، ومن بساطة التكوين وعمق الاحساس يطوف بنا ابو نواف في رحلة بين الجبال والأودية والمنازل العامرة بالبهجة والمحبة والكرم .
توقفت كثيرا امام جدارة رباعية المقاطع تتجسد بها حركة التطوير بالمنطقة .. من خلال المطار وانتشار الزراعة الزاهية الألوان والكثيفة الثمار حتي كاد الربيع ان ينفذ إلينا ، وعندما شاهدني الفنان عبد الله وقد طال وقوفي امام اللوحة جائني مستفسرا عما شدني باللوحة ، وكانت فرصة لم اتركها تضيع وسألته عن فترة الغياب عن الفعاليات التشكيلية واسباب الإنقطاع فقال :  
عندما يصاب احد افراد الاسرة بمرض يمرض الجميع من أجله .. فما بالك إذا كان المريض أحد والديك ، والوالدة ـ يرحمها الله ـ عندما داهمها المرض لم اجمع شيء من شتاتي في ذلك الوقت سوى التفكير فيها والعناية بها بالرغم من وجود إخواني وأخواتي اللذين وقفوا جميعا وقفة المحب الطائع لوالديه ، وكنا لا نفارقها نصبح بجوارها ونستكين معها .. وكانت تلك الفترة هي وسيلة للبعض لاستغلال الموقف وازاحتي من المشهد الفني والوظيفي الذي طال لعشرة أعوام كاملة حتى جفت ألواني وتيبست ادواتي ، وفارقت والدتي الحياة ـ يرحمها الله ـ ورغم انني كنت محملا باحزان الدنيا عدت من جديد إلى عالمي ومرسمي .
كان الفنان عبد الله يعيش مع اوجاعة ولم يجد إلا البعض القليل الذي كان يهتم بالسؤال عن الظروف التي تحيط بغيابه عن الساحة ، واستكملت حديثي معه عن التباين في الأعمال حيث لاحظت ان بعض الاشكال هي رسائل وتكوينات تختلف تماما عن هذا الطرح الحديث للمساحات المنفتحة امام المشهد ، لم يخلفني الرأي ولكنه أضاف :
الأعمال في معرضي الشخصي السابع ليست جميعها وليدة اليوم … نعم هناك جزء منها يحمل تجارب قديمة ، وهناك أعمال جديدة ، وجميعها تسبح في مكنوناتي وخطوطي وعالمي .
سبق هذا المعرض ستة معارض شخصية في كل من سيول بكوريا الجنوبية ، ثم قرية المفتاحة ، والثالث باتيلييه جدة ، والرابع بالولايات المتحدة ، والخامس في ملبورن باستراليا ، ثم المعرض السابق كان بقاعة نسما آرت بجدة . فماذا تعني اللوحة بالنسبة للفنان ، يقول ابو نواف :
اللوحة هي وسيلة التعبير للفنان ، ودائما ما أتأمل لوحاتي واجتهد في تفسيرها ومحاولة قراءتها وقراءة نفسي من خلالها ، ولم اتعمد إخفاء أي شيء فأنا استسلم لحالة من التداعي الحر أثناء الرسم واترك اللوحة تتحدث من خلال اللون والشكل عن عن الحقيقي والمتخيل .
كدت اتردد عن سؤاله وراء السبب في اختيار صالة تفتتح لأول مرة وغير معروفة المكان رغم انها تابعة للجمعية السعودية للفنون التشكيلية ؟ لكنه شجعني بقوله :
في صالة روافد.. التابعة للجمعية السعودية للفنون التشكيلية .. كان معرضي ، وكنت حريص أن أقف مع أنشطة وبرامج الجمعية .
من الجميل أن أضع أول الخطوات للزملاء والزميلات في هذه الصالة ، وقد اتخذت قراري لعلمي بأن الصالة جديدة والموقع جديد ، ولكن عرض الأعمال له شق آخر عندما أسعد برؤية أصدقائي من فناني وفنانات الرياض الذي أكن لهم كل محبة وتقدير .. ، كما اشكر لهم حضورهم ما قدموه لي ، والشكر الجزيل للرئيس الفخري للجمعية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن محمد بن سعود ، وحرمه صاحبة السمو الملكي الأميرة غادة بنت حمود بن عبد العزيز لحضورهم وافتتاح معرضي ورأيهم الذي اعتز فيه ، وأيضا مشاركة سموه معي بعدد من أعماله .
نعم كانت هناك ثمانية لوحات زيتية من أعمال سمو الأمير فيصل بن محمد جميعها عن الخيول وتوافد الزوار والزملاء على المكان وكانت هناك اسألة تدور في عقلي عن اختيار الفنان لعنوان معرضه ، وإن كان لافتا فعلا أنه عاد للعمل بمعزوفة لونية جميلة وكأنها تقاسيم على العود يدندن بها بعد احسبها ولله الحمد قد مرت بسلام وتركت الزميل والصديق العزيز يتلقى التهاني ممن قدموا للاحتفاء به لأكتب لكم تلك الكلمات .
والله من وراء القصد .